إضراب 19 ماى 1956 : رصيد الحركة الطلابية الجزائرية - الوعي بالذات والمصير-

لا يمكن بحال من الأحوال تلمس القيمة التاريخية لإضراب 19 ماي 1956 مالم نتفهم رصيد الحركة الطلابية خلال الاحتلال الفرنسي، وكيف تقلبت أوضاعها، وما هي معاناتها، وكيف كافحت وناضلت إلى أن أصبحت رقما مهما في يد الشعب الجزائري، وكانت أهم سند ترتكز عليه الثورة التحريرية.

لقد مرت الحركة الطلابية بالجزائر خلال الاحتلال الفرنسي بثلاث مراحل اساسية:

المرحل الأولى: التغييب والغربة( 1930-1920).

المرحلة الثانية:الوعي التفاعلي(الوعي بالذات والتفاعل مع المرحلة)(120-1954).

المرحلة الثالثة:الفعل الثوري(الوعي بالمصير) (1954-1962.)

المرحلة الأولى: التغييب والغربة(1920-1930).

أولا: التغييب.

في إطار الحرب الشاملة التي مارستها فرنسا ضد الشعب الجزائري كان أحد أهم مظاهرها الحرب الحضارية التي عولت دوائرها الاستعمارية على اقتحامها بكل قوة وحماس من أجل الوصول إلى التغيير الجذري للملامح الجزائرية، عن طريق مشروع " البتر والالحاق" أو بعنى آخر توفير شروط الاحلال الحضاري. ولم يكن في واقع الأمر سوى التعليم القاعدة التي سوف ينطلق منها لتنفيذ هذا المشروع باعتيار التعليم الأداة والقناة التي تتم عبرها عملية التفريغ والشحن وإعادة صياغة المجتمع وفق المنظور الغربي الفرنسي.

 ويبدو أن مخابرالاستخبارات العلمية المتخصصة في الدراسات الانتروبولوجية للشعب الجزائري التي كانت تعمل عملها في دراسة الراهن الجزائري قبل الاحتلال قد أكدت محورية التعليم في تشكيل البنية المجتمعية للشعب الجزائري واعتباره العقبة الأساسية في تحقيق مشروعهم الاحلالي، وإذا ماتم التحكم فيه تمت السيطرة على الجوانب الأخرى تباعا. ولذلك فإن الإدارة الاستعمارية وبغية تحقيق هذا المشروع الذي يشكل قاطرة المشارع الأخرى وعدم الوقوع في أي خطأ إستراتيجي استنفرت كل جهودها العسكرية والعلمية وأسست لما يمكن تسميته بـ"إجراءات الهيمنة الضامنة"،ونعنيبـ" الهيمنة الضامنة"، الاجراءات التي تضمن تحقيق المشروع الاستعماري واستمراره مهما كلفت من ثمن. وكان الهدف الأولي منصبا بعناية بالغة حول تجفيف المنابع العلمية والثقافية والحضارية للشعب الجزائري، أو بعبارة أخرى التغييب القسري لكل أثر حضاري جزائري. وقد توزعت هذه الإجراءات في إطارين أساسين:

الاطار الهيكلي:وتم من خلاله تصفية معظم المرافق والبنى التحتية للمنظومة التربوية والعلمية الجزائرية من مساجد ومدارس وزوايا وجمعيات ومكتبات وخزائن كتب بالاضافة إلى الوثائق والأرشيف واحتفظ الاحتلال بما يفيده، واستخدمت بعض المرافق في المصالح المدنية والعسكرية للاحتلال.

وبالمقابل إنشاء مؤسسات تعليمية فرنسية تحل محلها وتملا الفراغ الذي أوجدته فيما يخدم توجهاتها.

وينبغي الإشارة إلى أن التعليم في الجزائر قبل الاحتلال كان يستوعب الابتدائي والثانوي والجامعي، وكانت بالوطن جامعات تضاهي الجامعات العربية ونكتفي بشهادة الجنرال الفرنسي"هوتبول" في مذكرة بعث بها سنة 1850م إلى رئيس الجمهورية الثانية وفيها ما يلي:"كانت الثقافة الإسلامية في الجزائر واسعة الانتشار وشاملة للفروع الآتية :

1ـ التعليم الابتدائي: ويشمل الأطفال بين الثالثة والعاشرة .

2ـ التعليم الثانوي: ويشمل الأطفال بين العاشرة والخامسة عشرة.

2ـالتعليم العالي: ويشمل الحقوق والفقه والرياضيات وعلم الفلك والجغرافيا والتاريخ والطب .

                وكان التعليم في الثانوي والعالي مجانيا كالابتدائي، وكان يوجد في الجزائر أيضا جامعات أهمها جامعة قسنطينة وجامعة مدينة الجزائر وجامعة تلمسان وجامعة مازونة وبسكرة، وكانت هذه الجامعات من مستوى جامعة القاهرة وجامعة تونس وجامعة فاس وكانت تضم آلاف الطلبة".

الإطار التنظيمي:بالموازاة مع ذالك تم إصدار ترسانة من القوانين الاستثنائية تستهدف تحطيم معنويات المجابهة وتوفير الغطاء للضرب بيد من حديد كل من يحاول أن يتحرك في الاتجاه المعاكس للمشروع الفرنسي.من ذلك:  قانون تجريم استعمال اللغة العربية واعتبارها لغة أجنبية ـ قانون إلغاء القضاء الإسلامي ـ قانون الجنسية. قانون الأهالي.

ومن جهة أخرى نظمت المدارس الفرنسية وأتاحت التعليم فيه لكل أبنائها، وأطلقت الحرية للمبشرين ولاسيما الآباء البيض والأخوات  البيض والمستشرقين الفرنسيين للطعن في الإسلام وتراثه.

رد الفعل الطلابي: لم يكن في وسع الطلبة في هذه الأثناء سوى التكيف مع الظروف المفروضة، فقد كان توجههم للدفاع عن الأمة واستمراريتها يختلف باختلاف الإمكانات الشخصية والمادية والعلمية، وتنوعت بين المجابهة العسكرية والمجابهة الحضارية. فإذا كانت مجابهة عثمان خوجة وأضرابه سياسية فإن لفيفا من الطلبة انضم إلى المقاومة المسلحة كالأمير عبد القادر وبعض طلبة الزوايا، وجزء آخر استمر في التعليم وتداوله بعيدا عن أعين فرنسا، وبقية هاجرت إلى المشرق والمغرب طلبا للعلم حيث لا مأمن في الداخل.

ثانيا الغربة:يبدو أن الإجراءات السالفة المتخدة من قبل سلطات الاحتلال قد نجحت نسبيا في الشطر الأول من مشروع البتر والإلحاق الذي استمر سنوات طوال من التجهيل الممنهج. وبعد أن سكنت الأوضاع وتمت السيطرة على كل المنابع إلا فيما لا يمس الاستعمار، انفتحت السلطات الاستعمارية على تعليم نسبة ضئيلة من الأهالي(أعداد) بشروط مضنية وعبر مرشحات دقيقة وتحت المراقبة المركزة والصارمة رغم أن الهدف من ذلك تكوين جيل من المتعلمين يكون جسرا أومعبرا للإلحاق الحضاري.

لا نكون مغالين إذا قلنا بأن تلك النماذج من الطلبة الجزائريين الذين التحقوا بالمدرسة الفرنسية أضحت غير قادرة على التوفيق بين أحوال شعبهم الذي يعيش في ظروف لا يمكن مقارنتها البتة بما يتوفر عليه الفرنسيون المحتلون. وإذا كانت دراستهم قد أكسبتهم نوعا من الأريحية المسيَّجة فإنهم باتوا أكثر الطلبة عرضة لظاهرة الغربة في بلد أصبحوا يدركون فيه بالممارسة العملية أنهم يعاملون كأجانب، وأنهم يخضعون لمناهج تعليمية تقطعهم عن جذورهم، وتفيض بالتقدير والثناء على حضارة الاحتلال.

ويبدو أن هذا الشعور بالغربة قد أصبح مؤرقا لبعض الطلبة وكان دافعا لهم إلى الاجتهاد في إثبات ذواتهم بالتفوق والنبوغ العلمي، وكانت آفاقهم ترنو إلى اليوم الذي يستطيعون فيه الانفلات من هذه الغربة والرد على كل الأسئلة الطويلة المحرجة التي باتت تنغص حياتهم .

ونميل إلى الاستنتاج بأن الاحتكاكات التي كانت بين الطلبة الجزائريين والفرنسيين ونوعية المناقشة التي تدور بينهم وظهور مشاعر الغربة في حديثهم كانت وراء تلك الوثيقة المطروحة من قبل السكان الأوروبيين في مؤتمر المستعمرين بالجزائر سنة 1908 طالبوا فيها بالإلغاء النهائي للتعليم الابتدائي في الجزائر جاء فيها على الخصوص:"اعتمادا منا بأن تعليم الوطنيين في الجزائر إنما ينطوي على محاذير حقيقية سواء في المضمار الاقتصادي أو بالنسبة للسكان الأوروبيين الفرنسيين فإن المؤتمر قد أعرب عن رغبته في إلغاء التعليم الابتدائي  لهؤلاء الوطنيين إلغاء نهائيا".

ولقد كان نموذج محمد بن أبي شنب خير من يمثل هذه الظاهرة والتعامل معها بذكاء وفقا للظروف وتكيفا مع المتاح من الثغرات .

 تميز محمد بن أبي شنب بنشاط كبير وذكاء متميز واستطاع كأول طالب جزائري الحصول على شهادة الدكتوراه وأن يصبح أستاذ بجامعة الجزائر. ونظرة سريعة على مؤلفاته ندرك تلك الغربة التي كان يدافعها ويحارب من أجل التخلص منها من موقعه بمختلف الطرق والوسائل. فبالإضافة إلى محافظته على مظهره الخارجي باللباس العربي الإسلامي داخل الحرم الجامعي وخارجه ألف وحقق مجموعة من الكتب المتعلقة بالتاريخ العلمي والحضاري للجزائر ولبلدان الشمال الإفريقي تونس و المغرب في إشارة إلى أن البعد الحضاري للمغرب العربي أكثر عمقا ورسوخا من فرنسا.فحقق:

- " البستان في ذكر الأولياء و العلماء بتلمسان" لابن مريم المديوني التلمساني، طبع بالجزائر سنة 1908 م.

- "عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية" لأبي العباس أحمد الغبريني، نشره بعد أن قابله على أربع نسخ مخطوطة وطبع بالجزائر سنة1910

- صحح مجموعا تاريخيا يحتوي على كتاب"طبقات علماء افريقية" لأبي العرب محمد التميمي، "وطبقات علماء افريقية" لأبي عبد الله محمد بن الحارث الخشني، و"طبقات علماء تونس" لأبي العرب محمد التميمي طبعت بباريس سنة1915 و 1920م.    

- وحقق كتاب "الذخيرة السنية في تاريخ الدولة المرينية" طبع بالجزائر سنة1920. 

- نشر "رحلة الحسين الورثلاني" طبعت بالجزائر سنة 1908م.

-  حقق كتاب "الفارسية في مبادئ الدولة الحفصية " لابن قنفذ القسنطيني لم يطبع.

- ألف كتابا في تاريخ الرجال الذين رووا صحيح البخاري وبلغوه للجزائر، نشره بالفرنسية في مجموع مقالات الوافدين على مؤتمر المستشرقين بالجزائر سنة 1905م.

ـوكان رحمه الله مهتما اهتماما بالغا بتاريخ الجزائر فقد ذكر تلميذه عبد الرحمن بن محمد الجيلالي أنه كان عازما على تأليف تاريخ عام للجزائر يجمع فيه تاريخها المشتت مع التعرض لجغرافيته الطبيعية والاقتصادية والأحوال السياسية والاجتماعية التي تعاقبت عليه وذكر الحالة العلمية وانساب العائلات القديمة وتراجم أعيانها وقادة الفكر المشهورين، وأخبره في بحر سنة 1346هـ/1927م بأنه منشغل في جمع مواد هذا التاريخ العظيم ولكن المرض أدركه وتوفي قبل أن يحرره. وربما كان ذلك ملهما للشيخ الجيلالي في تحمله تبعة تاليف كتابه حول تاريخ الجزائر تحت عنوان "تاريخ الجزائر العام".

ونظرة على إحصائيات الطلبة الجزائريين خلال الاحتلال تفي بتقدير حجم التجهيل والتغييب الذي تعرض له الشعب الجزائري، وتؤكد من جانب آخر مقدار الحذر الذي كانت تخشاه الدوائر الاستعمارية من اتساع دائرة تعليم الجزائريين.

لقد كانت نسبة تلاميذ الابتدائي سنة 1880 تقدر ب1.8% من مجموع التلاميذ الذين هم في سن التمدرس وأصبحت 4.3% في سنة 1908. وكان عدد الطلبة في معاهد التعليم العالي سنة 1884 وصل إلى 6 طلبة وفي سنة 1908 صار عددهم 50 طالبا . وفي سنة 1914 كان عدد الطلبة الحاصلين على شهادة البكالوريا 67 طالبا( في سنة 1953 عدد الطلبة الجزائريين 507 من مجموع 10 ملايين جزائري ـ وعدد الطلبة الفرنسيين 4159 من مجموع حوالي 1مليون فرنسي)

المرحلة الثانية: الوعي التفاعلي( 1920ـ 1954)

شهدت نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين موجة من الوعي الحضاري الإسلامي مؤسسا في الجامعة الإسلامية والأفكار التنويرية للسيد جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده الذي زار الجزائر سنة 1903 والتقى بمجموعة من علمائها وطلبتها وزار بعض مدنها الأساسية كقسنطينة، ولأمر ما كانت دروسه التي ألقاها بمساجد العاصمة على طلبة العلم تناولت تفسير سورة العصر.

وابتداء من العقد الثاني من القرن العشرين والتغيرات الدولية الكبيرة التي ساهمت في الانفتاح السياسي النسبي خاصة بعد الحرب العالمية الأولى وانسياب الأفكار التحررية وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، ورجوع طلبة المهجر بمختلف توجهاتهم وإطلاق الحرية لتكوين الهيئات واكتشاف الغبن والغربة بشكل أوضح وأفدح...ظهر نتاج طلابي سوف يكون له دور أساسي في إعادة الوعي.

إن الطبقة الطلابية التي خرجت في عشرينات القرن العشرين كانت مثقلة بتبعات تسعة عقود من أسر للهوية وتغييبها بالجهل والتدجيل ولذلك كانت بها آثار لانساق إيديولوجية مصنوعة على عين الاستعمار غير أنها لم تكن مؤثرة في المجرى العام للطلبة الذين برزت مسيرتهم بخطى حذرة مكتفية بالهوامش المتاحة في انتعاش مختلف الأجهزة العضوية الأساسية في المجتمع، وكان الاهتمام بالذاكرة أو الهوية وإعادة بعثها لاستعادة شبكة العلاقات الاجتماعية وفق المنظور الحضاري الوطني. وكانت الخطى تسير في الممرات التي لايتمكن الاحتلال من التنبه إليها. وبدا التفاعل الطلابي يتعامل مع نفسية الاحتلال بالتدرج المريح الهادئ ورفع مستوى الحراك والمطالب بدرجات محسوبة تؤدي دورها المرحلي وتجنبه ردات الفعل القاسية، فأسس الطلبة سنة 1920 تنظيما طلابيا أطلقوا عليه اسم" ودادية الطلبة المسلمين الجزائريين" وتحول فيما بعد إلى "جمعية الطلبة المسلمين الجزائريين" وشارك بعض أعضائه في تكوين"جمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين". وتمكن الطلبة من التموقع في مركز التأثير المجتمعي وتزايد نشاطهم في كل الوسائل والوسائط المتاحة( صحافة –أحزاب ..) ، وبمرور الزمن بدأت الأمة تمتثل للشفاء التدريجي. وكان من نتاجها تأليف أول كتاب حول تاريخ الجزائر للطالب امبارك بن محمد الميلي بعنوان" تاريخ الجزائر في القديم والحديث" الذي طبع سنة 1928.

الاحتفالات المائوية وأثرها في تنمية الوعي و الحركة:

من المفارقات أن الاحتفالات الفرنسية بمرور مائة سنة على احتلال الجزائر كانت بكل المقاييس مفزعة للاحتلال قاصمة لكيانه. لقد استمرت الاحتفالات ثلاث سنوات من 1927إلى 1930 وفي خلالها قامت فرنسا بحل حزب نجم شمال إفريقيا بحجة تعامله مع جمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين" حتى تتفرغ للاحتفالات الرسمية سنة 1930.وقد ظهرت كتابات كثيرة حول هذه المناسبة سميت بـ"المجموعة المائويةالجزائرية "Collection de centenaire de l’Algérie.

وكان من آثارها الطيبة على الجزائر إنشاء نادي الترقي سنة 1927 الذي صادف تأسيسه مرور قرن على الحصار الفرنسي للجزائر واسمه يحمل هم النهوض بالأمة وترقيتها. وتأسست فيه كذلك جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة1931(حيث كان كل أعضائها من الطلبة الذين درسوا في جامعات المغرب-القرويين- وتونس- الزيتونة- ومصر- الأزهر-) وأسس بعدها حزب الشعب الجزائري. وأطلقت الصحافة الجزائرية على هذه الاحتفالات اسم مهازل سنة1930 ، ورددت العبارة القائلة "أن الفرنسيين لن يحتفلوا بثاني عيد لهم". وتفاعل الطلبة بهذا الحدث  المرير والمثير وانطلقوا في عقد مؤتمراتهم السنوية من خلال جمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين" ابتداء من سنة1931.كما يلي:

- عقد المؤتمر الأول للجمعية بالمدرسة الخلدونية بتونس من20- 22 أفريل 1931 شارك فيه الطلبة الجزائريون بوفد طلابي هام من 7 أشخاص برئاسة الطالب الصيدلي فرحات عباس.

- وعقدت الجمعية مؤتمرها الثاني بنادي الترقي بالجزائر العاصمة مابين 25-29أوت 1932.

- وكان من المفترض أن يعقد المؤتمر الثالث في مدينة فاس بالمغرب الأقصى إلا أن السلطات الاستعمارية رفضت في آخر لحظة انعقاده في هذه المدينة، ورجعت الوفود المغاربية المشاركة، مما دفع الطلبة لعقده في ديسمبر من السنة نفسها 1933 بمدينة باريس. وقد أعد المنظمون راية كبيرة مثلثة الألوان(أخضر وأبيض وأحمر) جعلت رمزا لوحدة أقطار شمال إفريقيا وعلقت على واجهة قصر التعاون الذي عقد فيه المؤتمر.

 - وعقد المؤتمر الرابع في شهر أكتوبر من عام 1934 في المدرسة الخلدونية بتونس، وشارك فيه عن الجزائر :السعيد الزاهري ، ومفدي زكريا.

- أما المؤتمر الخامس فقد عقد في مدينة تلمسان بالجزائر بين 6-15 سبتمبر 1935، وافتتحه الشيخ البشير الإبراهيمي.وكانت الخطب في هذا المؤتمر باللغة العربية وبنبرة هجومية ضد الإدارة الفرنسية تدعو إلى الالتحام مع القضية الوطنية و الاسلام. واضطر المؤتمرون تغيير القاعة بعد أن منعتهم سلطة الاحتلال من مواصلة أشغاله.

- المؤتمر السادس عقد بمدينة تيطوان بالمغرب سنة 1936 بعد أن رفضت السلطات الفرنسية عقده في مدينة فاس.

وفي كل هذه الملتقيات ناقش الطلبة مسالة التعليم في المغرب العربي. وقد أسفرت هذه الملتقيات عن كشف دقيق لمستوى التعليم في المغرب العربي وكثفت من مطالبه نحو تحسين أداء التعليم وفتح حرية التعليم والاهتمام باللغة العربية والإسلام في صياغة الشخصية الجزائرية .

وساهمت الحركة الطلابية في تكوين وعي وطني وأنتج طبقة طلابية معتبرة.

وبعد الحرب العالمية الثانية وأحداث8 ماي 45تكون جيل من الطلبة يحمل هم الامة والوطن ويتمتع بمستوى رفيع من الحس الحضاري والوطني.

المرحلة الثالثة:الفعل الثوري(الوعي بالمصير) 1954-1962.

الثورة واثرها في البنى الطلابية:

من اللازم الإشارة إلى أن اندلاع الثورة التحريرية قامت بعد أن استنفذت كل الطرق والوسائل السياسية ووصولها إلى طريق مسدود، فالإخفاقات التي تعرضت لها الطبقة السياسية وظهور الشقاقات في بعضها وتغذيتها من قبل الاستعمار ومآلآت مجازر 8ماي45 وظهور المقاومة المسلحة في كل من المغرب وتونس ضد نظام الحماية كل ذلك كان ملهما في اندلاع الثورة.

وكان منظرو الثورة قد أجمعوا على نقطتين أساسيتين:

1ـ إلزامية العمل المسلح. 2ـ التعبئة الشاملة للشعب للدخول مع الثورة ضد الاحتلال.

ومن خلال ذلك أوعزت إلى كل التنظيمات والهيئات الشعبية لفك ارتباطها وقطع تواصلها مع التنظيمات الفرنسية، وإعادة هيكلة نفسها في إطار وطني مستقل كآلية من آليات الاستقلال التدريجي.

وتحكمت في الحركة الطلابية أثناء الثورة مرحلتان أساسيتان:

1ـ مرحلة الفعل التكاملي مع الثورة (1954ـ 19 ماي 1956) 

وهي مرحلة ما قبل الإضراب.

لم تتردد الطبقة الطلابية في الالتزام بالخطوط العريضة للثورة منذ بداياتها، وكان تعاملها مع الثورة يندرج في إطار من المشاركة و المواءمة إذ التحق مجموعة من الطلبة بالثورة بصفة محدودة بينما بقيت عمومهم في مقاعد الدراسة تثير الطلبة والمجتمع الجزائري وتشرح للطلبة الفرنسيين قضية الجهاد وشرعية الثورة وتذكيرهمبالجستابو الألماني، وقرروا الانفصال عن الاتحاد الوطني للطلبة الفرنسيين واسسوا "الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين" من 8- 15 جويلية 1955 بعد 9 أشهر من اندلاع الثورة . وكان من أهم  أهدافه : الدفاع عن المصالح المادية والمعنوية لكل الطلاب الجزائريين أينما كانوا، وتوحيد الطلبة ورط مصيرهم بمصير شعبهم المكافح ضد الاحتلال .

وقد أحدث تأسيس هذا الاتحاد الطلابي انتفاضة قوية في باقي الفئات الوطنية الأخرى التي سارعت في فك أرتباطها وقطع علاقتها بالهيئات الفرنسية، فأسس الاتحاد العام للعمال الجزائريين، في 24 فيفري 1956 و الاتحاد العام للتجار الجزائريين في سبتمبر 1956.

ولا يمكن تقدير التوجه الشعبي العام وارتياحه ومساندته لهذه الخطوات الكبيرة.

 ومن جانب آخر كان لتأسيس الاتحاد العام للطلبة المسلمين أثار نفسية كبيرة على تفجير قدرات الثورة والرفع من معنويات قادتها وجيشها، فبعد حوالي شهر من تأسيس الاتحاد كانت هجومات الشمال القسنطيني في 20 أوت 1955 ضد مراكز الاحتلال لتأكيد قوتها والقضاء على أي تردد لدى بعص الهيئات والأحزاب، ولفك الحصار على الأوراس. وكانت رمزية هذا التوقيت تحمل في طياتها معنيان أساسيان قصدهما قادة الثورة: البعد الأول إسلامي إذ كان يوم 20 أوت يوافق غرة السنة الهجرية الجديدة 1375هـ . و البعد الثاني مغاربي يحمل الذكرى الثانية لنفي جلالة الملك المغربي محمد الخامس في 20 أوت 1953م.

وبعد الرد الهمجي للاحتلال على الشعب الجزائري والمجازر الرهيبة التي تعرض لها قام الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين وأعلن في20 جانفي 1956 إضرابا وقدم فيه إنذارا لسلطات الاحتلال بالتوقف عن سفك دماء الجزائريين، وعقد مؤتمره الثاني في مارس 1956 في باريس قبل موعده بأربعة أشهر وطالبوا فيه باستقلال الجزائر والتفاوض مع جبهة التحرير الوطني وكان الرد الفرنسي على الطلبة قاسيا .

2ـ مرحلة الفعل الثوري أو المشاركة الثورية(19 ماي ـ 1962)

 بعد الفشل الذريع الذي منيت به قوات الاحتلال في مواجهة تنامي الثورة ركزت حربها من الناحية العسكرية ومن جانب الحرب النفسية باعتبار ما يحدث في الجزائر ماهو إلا من قبل عصابة لا علاقة للشعب بإجرامها، وحاولت إيهام العالم بهذا الادعاء وركزت من جانب آخر على إيقاع الأذى والتقتيل لأعضاء في الاتحاد الطلابي .

وبالتنسيق المحكم بين اتحاد الطلبة والثورة ولتبديد ادعاءات الاحتلال، وبعد انضمام أحزاب وشخصيات وطنية مرموقة إلى صفوف الثورة ففي 22 أفريل 1956 أعلن كل من عباس فرحات (حزب البيان الديمقراطي) وأحمد توفيق المدني الرئيس الثاني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين انضمامهم إلى الثورة، وتحت تأثير استقلال كل من المغرب(2مارس 1956) وتونس(20مارس 1956) ، قرر الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين الدخول في إضراب عام ولا نهائي في ا9 ماي 1956 والالتحاق بصفوف المجاهدين في الجبال وخلايا جبهة التحري الوطني.

 وقراءة متأنية لما جاء في بيان الإضراب يمكن تلخيصه فيما يلي:

1ـإدانة الطلبة للاستعمار ووحشيته في القتل والحرق للطلبة والمثقفين وعموم الشعب .

2ـ تحدث البيان باسم كامل التراب الوطني لتأكيد شمولية الثورة للوطن كله من الشرقإلى الوسط إلى الغرب فذكرت كل من : تبسة- قسنطينة-  سكيكدة-  جيجل- بجاية - الجزائر العاصمة- تلمسان.

3ـالدعوة للالتحاق بالثورة في الجبال.

وتمحورت إستراتيجية الطلبة بعد إعلان الإضراب في  مستويين:

المستوى الأول: المشاركة الداخلية مع جنود الثورة في الجبال في كل التخصصات.

 المستوى الثاني: المساهمة في تنوير العالم في أنظمته السياسية ومنظماته الطلابية الأوروبية والعربية والأمريكية والآسيوية بمشروعية الثورة وحق الشعب الجزائري في استقلاله . 

وكانت مساهمة الطلبة في غاية من الأهمية في الداخل والخارج فقد كانت نقطة تحول كبيرة في الذهنية الشعبية التي كانت مرتابة من نجاح الثورة فكان انضمام الطلبة تعبيرا صادقا يؤكد قوة الثورة وصدقيتها ولذلك ظهر بعد ذلك التضامن الشعبي والتعبئة ضد الاحتلال.

واستطاع الطلبة أن يحققوا من خلال إضرابهم نتائج بهرت العالم كله.

لقد الهدف الأساس من إضراب الطلبة هو ضرب مصداقية الاحتلال في وصم الثورة بأنها مجرد عصابة وتدعيم الثورة التي وصلت كما يبدو إلى مفترق طرق والحاجة الماسة لتدعيمها لمرورها بفترة عصيبة تهدد شرعيتها ومشروعها الوطني، فقد كانت شرعيتها كثورة شعبية شاملة على المحك ومن جهة ثانية كان مشروعها يحتاج إلى سند شعبي مكثف، وكان دخول الطلبة على الخط أهم دعم تلقته الثورة لشرعيتها ولمشروعها، وللمحافظة على مصيرها ومصير الشعب من ورائها.

وما إن آنس القادة بأن الثورة تجاوزت مرحلة الخطر وأصبحت في مأمن على شرعيتها ومشروعها حتى قرروا حل الإضراب بعد 17 شهرا من إعلانه وذلك في 14 أكتوبر 1957.

واستمرت مسيرة الطلبة وعقدوا مؤتمرهم الثالث في ديسمبر 1957.

 وفي28 جانفي 1958 قررت سلطات الاحتلال حل الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين واعتقلت أعضاءه في باريس واضطرت الجنته التنفيذية مغادرة فرنسا إلى سويسرا. واستمرت المسير إلى غاية الاستقلال.

الخاتمة:

                إن كل المؤشرات التاريخية تدل على أن الحركة الطلابية لم تكن في يوم من الأيام بعيدة عن المعترك السياسي وهموم الشعب والتوجه الوطني حتى في أيام اضمحلالها في نهاية القرن التاسع عشر، ومنذ بداية القرن العشرين أصبحت الحركة الطلابية في معظم توجهاتها تعبيرا عن آلام الشعب وآماله .   

                لقد كان إضراب 19 ماي 1956 معبرا عن عبقرية فذة تميز بها الطلبة الجزائريون، ذلك أن العبقرية كما يعرفها توماس إديسون :"هي 1% إلهاما و99% جهدا وعرق جبين". كما كان من جهة أخرى نقطة مفصلية في تاريخ الشعب الجزائري إبان الاحتلال، ذلك أن الثورة استخدمت سلاح الطلبة الذي كان آخر سلاح ادخرته لليوم الأسود، وكان الطلبة في مستوى التحدي وعلامة من علامات التكامل الوطني ولحمة أساسية ونوعية أسهمت في توطيد أركان الثورة و إخراج صوتها للعالمين.

 

 وقد خلد الشاعر بن تومرت(مفدي زكريا)جهاد الطلبة ونضالهم في قصيد أصبح من الأناشيد الوطنية الجزائرية:


نـحـن طـــــــلاب الجـزائـر نحن للمــجــد بــنــــاة 
نـحـن أمــــال الجـــزائــــر في اللـيـالـي الحـالـكات
كـمغـرقــنـــا في دمـــاهــا واحـتـرقـنـا في حـمـاها
وعـبـقـــنـا في ســــمــاهـا بعــبـيــر المــهـــجــات

نحن طــــــــلاب الجزائـــر نحن للمـــجــد بــنـــــاة
فـخـــذوا الأرواح مـــــنـــا واجعــلوهـالـبـنــــــات
واصنعوا منها الجزائـر
وخــــــذوا الأفـكـار عــنــا واعصروامنها الحـيـاة
وابعــثــوا منها الجـزائـــر
نحن من لـــــبـى نــــداهـا عـنـدما اشـتـد بـــــــلاها
وانـدفـعـنا لـــــفـداهـــــــا والمــنـــايــا صـــارخات
نحن طـــــــلاب الجــزائــر نحن للمــجــد بــنــــــاة
معـــــشــر الطلاب إنــــــا قــــدوة للثــائــــريـــــن كم عصفنا بالجبابر
سل شعــوب الأرض عـنـا كـم صـرعــنا الظـالمين
واحتكمنا للمصائر
نحن بلغنا الرســـالــــــــة نحن سـطـــرنـاالعــدالـة
نحن مــزقـنــا الجهــالـــة وصـــدعـــنـا الظـلـمــات
نحـن طـــــلاب الجـزائـــر نحن للـمـجـــد بــنــــــاة
ثـــورة التحــريـرمــــدي لـبـنـي الجــيــــل يــــــدا
دماها أحمر فائر
واشهــدي كيف نـفـــــدي ثــــورة الفـكـــر غـــــدا
يوم تحرير الجزائر
وتــســـودالعــبــقـريــــة في بـــلادي العــــربــيـة
زخــــرت بـالـمــدنــيـــــة فيالعصــور الخالـــدات
نحن طــــلاب الجـــزائـــر  نحن  للمـجـــد  بــنــــــاة

أعلى الصفحة