إسلامية المعرفة من المفاهيم النظرية إلى الطرائق الإجرائية في مقاربات إسماعيل الفاروقي

تمهيد

ينطلق الفاروقي في تصوره لإسلامية المعرفة من حالة التأزم التي أصابت العقل المسلم،فجعلته عاجزا عن الابتكار والإبداع والتوليد للمعرفة،وفي إطار محاولة بعث و تأسيس النظام المعرفي الإسلامي من جديد بغرض تفعيله ليكون أكثر تعبيرا وانسجاما مع حاجات الإنسان المعاصر في ظل الثورات المعرفية التي هزت كيان الإنسان وأفقدته القدرة على التعاطي السليم مع مشكلات الواقع الراهن ومعالجتها من منظور النسق المعرفي الصحيح.من هنا جاءت محاولته الرامية إلى ربط منظومة المعرفة بمنظومة الاعتقاد ومنظومة القيم،يكون فيها التوحيد ناظما معرفيا وضابط منهجيا ونموذجا نقيس إليه تصوراتنا وأفكارنا ومفاهيمنا وسلوكياتنا وممارساتنا، بمعنى إعادة ربط العلوم والمعارف بالنمط الإلهي.

فعلة الأمة الإسلامية تكمن في اعتلال الفكر ومنهجيته وما يترتب على ذلك من اعتلال نظام التعليم السائد فيها مما يشكل تربة خصبة للداء، فالفاروقي يحلل هذه الأزمة بالرجوع إلى حالة التعليم في العالم الإسلامي في الظرف الراهن، ليقف على حقيقة مرة تتمثل في افتقار أصحابها إلى الرؤية الصحيحة الواضحة، رؤية كلية للإنسان والكون والحياة رؤية تنبع من العقيدة في الأساس. ولن تجد الأمة حلا لأزمتها إلا بإيجاد حلول لأزمة الفكر والمعرفة الإسلامية عن طريق إيجاد حل لمشكلة التعليم، بمعنى إعادة تشكيل نظامها التعليمي من جديد، وذلك من خلال دمج نظامي التعليم، نظام التعليم الديني مع نظام التعليم العام ، ثم غرس الرؤية الإسلامية، وفرض دراسة الحضارة الإسلامية مع إسلامية المعرفة الحديثة حتى تعاد صياغة الحياة بحيث تتجسد فيها السنن الإلهية وقيم الإسلام في بناء الثقافة والحضارة. ولن يتحقق ذلك إلا إذا اتبعنا منهجية صحيحة نتجاوز فيها المنهجية التقليدية، فنتجاوز وهم تعارض الوحي مع العقل،ونربط الفكر بالعمل ونقضي على الازدواجية الثقافية والدينية ونزيل الفصام النكد بين المثال والواقع بين القيادة الفكرية والإيديولوجية وبين القيادات السياسية والاجتماعية.

فإسلامية المعرفة تأخذ في الاعتبار عددا من المبادئ الأساسية التي تكون جوهر الإسلام وهي:وحدانية الله، وحدة الحقيقة ووحدة المعرفة، وحدة الحياة، وحدة الإنسانية، تكامل الوحي والعقل، الشمولية في المنهج والوسائل. حتى تقضي على الخلل الواقع في مجالين، مجال الفكر الغربي المتأزم العاجز عن تجاوز مآزقه،وخلل في مجال تعاملنا مع التراث الإسلامي،ولإيجاد حل لهذه الازدواجية المرضية، يقترح الفاروقي ما يسمى بإسلامية المعرفة ، فتأخذ هذه الإسلامية وجهين:وجه داخلي ينصب على دراسة تراثنا وديننا ، ووجه خارجي ينصب على استيعاب ونقد الفكر الغربي.

وما مفهوم إسلامية المعرفة؟وما هي مرتكزاتها النظرية والعملية؟و ما هو منهجها؟وما هي الأهداف التي تروم بلوغها في واقع العالم الإسلامي المعاصر؟وكيف تتحول إسلامية من مفهوم نظري إلى طريقة إجرائية قابلة للتطبيق في الواقع الإسلامي الراهن؟

1- مفهوم إسلامية المعرفة:

الحديث عن إسلامية المعرفة في تصور "الفاروقي"،ينطلق مما لحق بالعقل المسلم من حالات التأزم والتمزق والتشرذم والضعف بلغت به حدا، أصبح فيه قاصرا عن إنتاج وتوليد المعرفة وصار خاملا جامدا متوقفا،وعاجزا عن تجاوز أزمة الفكر التي أصابته، لقد اضطربت رؤيته المعرفية وأصابها الغبش واللبس،وفقد منهجيته الصحيحة، فصارت لا تفرق بين ما هو أصيل وما هو دخيل،وضاعت بوصلته التي ترسم مساره ووجهته،وبقي يراوح مكانه ويتخبط في مآزقه و إشكالياته الحضارية والمعرفية.من هنا جاء ت.جهود الفاروقي كمحاولة لرد العقل الإسلامي إلى أصله، يعرض فيها رؤية الإسلام للحقيقة من أجل أن يحيط الشباب المسلم بها علما.وبيان علاقة الإسلام بمختلف ميادين الفكر البشري وفعاليته كلها والحياة كلها....".(1) .

وقد عمل الغرب بعد طول دراسة إلى العمل " على إضعاف صلة هذه الأمة بدينها وتغيير فهمها له لتتحول علاقتها به علاقة شكلية جامدة لا ثمر لها ولا أثر في حياة وقلوب وأرواح ونفوس شبابها .كما عمد إلى البدء في عمليات مختلفة، يمكن أن نطلق عليها اسم " الغزو الفكري" وذلك بإدخال أبواب من الفلسفة وما وراء الفلسفة والجدل في ثنايا ما عرف باسم علم الكلام " وما جرّ إليه هذا العلم ـ بعد ذلك ـ من السفسطات والتأويلات الملتوية الدقيقة وما استتبع كل ذلك من آثار عقدية وفكرية وخيمة.(2)

لقد أخذ الغزو بعدا أعمق بنظر الفاروقي و أصبح أكثر تنظيما وأشد فعالية و أوسع مساحة،فقرر مفكرو الغرب وسدنة سياسته ومصالحه أن يجعلوا منه غزوا شاملا يتغلغل في العقيدة الإسلامية فيغيرها و إلى الفكر الإسلامي فيمسخه، وإلى الثقافة الإسلامية فيبدلها، وإلى الدين الإسلامي فيعزله ويحصره في زوايا كهنوتية ضيقة لتحدث عملية المسخ الثقافي الشامل والتبديل الفكري الكامل.(3)وقد مهد الاستشراق والتنصير والاستعمار - بالاستناد إلى أجهزة عديدة ـ إلى الغزو الشامل، واستطاع أن يأخذ مواقعه في عقول الكثيرين من أبناء الأمة وفي قلوبهم وافهماهم،و" رأى الكفار والمستعمرون أن يعمقوا الهوة بين المسلمين وبين مصادر الإسلام الأساسية المتمثلة في كتاب الله وسنة رسوله الله صلى الله عليه وسلم فغيروا سائر أنظمة التعليم وبدلوا برامجه وكل مناهجه،وسخّروا الإعلام والتوجيه الفكري والتربوي ووظّفوها لإحداث عملية التغيير الثقافي والفكري لدى الأمة..."(4) فقامت للرد على هذه الحملات والهجمات الثقافية الشرسة،محاولات الإصلاح والتجديد بعضها استند في مشروعه على مقومات المشروع الغربي ذاته، ف"...نهج معظم هذه الحركات في غالب الأحيان وكذلك تصورها لقضايا الإصلاح تصورا ونهجا غربيين،ولذلك كان من الطبيعي أن يكون نصيب تلك الحركات هو الفشل الذر يع والإخفاق الشديد،لأن من البديهي أن ما يصلح للغرب من فكر وعقائد لا يصلح لأمة قدّر الله لها أن يبني كيانها، ويرتبط مصيرها وشأنها بكتاب الله وسنة رسوله الله صلى الله عليه وسلم. "(5)

أما البعض الآخر من دعاة الإصلاح فقد حاول أن يقوم بحركات إصلاحية تكتفي بجانب واحد أو جوانب محددة من الإسلام، ولما كانت هذه الأمة أمة رسالة لن يصلح آخرها إلا بما صلح به أولها كان لابد من التخطيط للعمل على إعادة الأمة إلى ينابيع الفكر الأصيل في كتاب الله وسنة رسوله الكريم ،وكان لابد من " معرفة معالم السبيل إلى تمثل كتاب الله وسنة رسوله ونقلها من عالم القيم والتوجيه والمثال إلى عالم الواقع والحركة والتطبيق العملي ..."(6)

وقد كان من أبعاد الأزمة التي حلت بالأمة الإسلامية، بعدان أساسيان :

1-البعد الأول: الغزو والتبديل الثقافي في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية بخاصة ذلك التبديل الذي جعل عقول أبناء الأمة تتخطى الفكر الإسلامي والتراث الإسلامي أو تدرسه على أنه ظواهر قد اندثرت لا علاقة لها بالحياة المعاصرة ولا حاجة إليها،مما أحدث له تمزقا و فصاما بين قيمه ومنطقاته ومعتقداته وأهدافه، وبين قيم ومنطلقات ومعتقدات وغايات الغرب، أفقده في النهاية هويته وشتت سبله ومناهجه.

2- البعد الثاني: كان في قطع هذه الأمة بتراثها الإسلامي وتحويله مجرد تراث تاريخي يفتخر به ويتغنى بأمجاده ...أما أن يكون أساسا للبناء وقاعدة للتفاعل الحي بإبقاء المفيد وتنمي النافع وإحياء الجيد فذلك موضع الرفض لا موضع التقبل والاعتبار عند الكثيرين .(7)فلاشك أن الخلل واقع في مجالين، مجال الفكر الغربي المتأزم العاجز عن تجاوز مآزقه، وخلل في مجال تعاملنا مع التراث الإسلامي.

ولإيجاد حل لهذه الازدواجية المرضية، يقترح الفاروقي ما يسمى بإسلامية المعرفة،التي تأخذ وجهين: وجه داخلي،ينصب على دراسة تراثنا وديننا.و وجه خارجي، ينصب على استيعاب ونقد الفكر الغربي، مع التركيز على العلوم الاجتماعية والإنسانية باعتبار خطرها أكبر وأسرع من خطر العلوم الأخرى.ومبرر "الفاروقي" في هذا هو أن العلوم الاجتماعية الغربية تعد ناقصة، وهي بالضرورة تتسم بالسمة الغربية،ومن ثم فهي غير ذات جدوى لأن تكون بمثابة نموذج لطالب العلم المسلم، ثم إن العلوم الاجتماعية الغربية تنتهك متطلبا حاسما للميثودولوجيا الإسلامية،ولهذا راح "الفاروقي" يعدد نقائص الميثودولوجيا الغربية، ويكشف خطأها ومحدوديتها الجغرافية والزمنية .

فالعلوم الاجتماعية التي ظهرت في الغرب أرادت أن تبني فرضياتها وحقائقها واختباراتها على نموذج العلوم الطبيعية،متناسية بذلك جوهر الاختلاف والتمايز القائم بين العلمين فـ" الطالب الغربي الذي يدرس طبيعة الإنسان والمجتمع لم يكن في حالة تجعله يدرك أن ليس بالضرورة أن تكون جميع الحقائق المتعلقة بالسلوك الإنساني قابلة للملاحظة عن طريق الحواس،ومن ثم خاضعة للقياس، فإن الظاهرة الإنسانية لا تتكون من عناصر طبيعية على وجه القصد، بل يتدخل فيها عناصر أخرى تنتمي إلى نظام مختلف أي النظام الأخلاقي الروحي..." (8).وتأسيسا على هذا اهتدى "الفاروقي" إلى ضرورة إضفاء الصفة الإسلامية على العلوم الاجتماعية كإجراء غاية في الأهمية بغية إنقاذ هذه العلوم الاجتماعية من المآزق الذي وصلت إليه على يدي العقل الغربي.

وينبهنا الفاروقي إلى أن عملية إسلامية المعرفة ينبغي أن تسبق بعملية أخرى،هي عملية تشخيص الداء قبل إعطاء الدواء، بمعنى دراسة الواقع دراسة علمية منهجية نقف فيها على المشكلات، ثم بعدها نتصور الحلول.كما ينبغي أن تكون محكومة دائما بالرؤية العقدية التوحيدية،باعتبار التوحيد ضابطا منهجيا ومعرفيا يؤطر عملية التفكير ويرشدها،ولهذا فإضفاء صفة الإسلامية على العلوم وخاصة الاجتماعية منها فعل يعني ما يلي :

1-لازم وحتمي لجميع الدراسات سواء أكانت تتصل بالفرد أو الجماعة بالإنسان أو الطبيعة بالدين أو العلم، أن تعيد تنظيم نفسها تحت لواء مبدأ التوحيد، أي توجه لتلتزم بالنمط الإلهي وبالصفة الإلهية التي جاء بها الوحي.

2-العلوم التي تدرس الإنسان وعلاقاته مع البشر،يجب أن تقر أن الإنسان يحيا في ملكوت يحكمه الله في كل من الناحيتين الغيبية و القيمية، وتتضمن تلك العلوم التاريخ الإنساني،ويجب أن تعني تلك العلوم بخلافة الله على الأرض أي خلافة الإنسان،ونظرا لأن خلافة الإنسان تعد اجتماعية بالضرورة فإن العلوم التي تقوم بدراستها يجب أن تسمى العلوم الخاصة بالأمة.(9)

يشير "الفاروقي" إلى نقطة مهمة،والتي غابت للأسف الشديد، تحت تأثير النزعة الفلسفية الغربية،وهي أن الدراسة الإسلامية ترفض الاعتراف بتشعب العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية، ويقدم بذلك تصنيفا جديدا مغايرا لما دأب عليه العلماء والفلاسفة الذين عكسوا في تفكيرهم وتصنيفهم رؤية ونموذجا معرفيين، يفصل علوم الإنسان عن علوم المجتمع ويجعل علوم الاجتماع لاحقة للعمل الطبيعي ومقتفية أثره. " ..بل أنها تطلب إعادة تصنيف فروع الدراسة وتقسيمها إلى العلوم الطبيعية التي تتناول الطبيعة والعلوم الخاصة بالأمة التي تتناول الإنسان والمجتمع..."(10)

3- العلوم الخاصة بالأمة لا يجب إهدار مكانتها بواسطة العلوم الطبيعية، فإن كليهما يحوز على نفس المرتبة في الخطة الخاصة بالمعرفة الإنسانية،والفارق الوحيد بينهما يكمن في موضع الدراسة وليس في الميثودولوجيا، وكلاهما يهدف إلى اكتشاف،وفهم النمط الإلهي:أحدهما يعمل على استكشافه في نطاق الأشياء المادية،والأخرى في نطاق الشؤون البشرية.(11)ويعتقد "الفاروقي" أن لا تعارض بين الوحي والعقل، عكس ما يدعيه الغرب، بمعنى أن العلوم الخاصة بالأمة هي في النهاية تصب في فهم النمط الإلهي وأنه" ...ليس ثمة شيء قدمه لنا الإسلام عن طريق النقل أو الحديث إلا وقد كان ثابتا أو قابلا للإثبات عن طريق العقل والفهم ...فإنه ليس ثمة شيء يكمن فوق إستراتيجية الفهم الإنساني."(12)

4- يدعي الغرب أن علومه الاجتماعية تتسم بالصفة العلمية لأنها محايدة وتعتمد تفادي الأحكام والتفصيلات الإنسانية،وتعامل الحقائق باعتبارها حقائق وتتركها تتحدث عن نفسها، إن هذا ادعاء باطل لماذا ؟ لأنه ليس ثمة إدراك نظري لأية حقيقة بدون إدراك طبيعتها وعلاقاتها .(13)فالعلوم الاجتماعية الغربية تنبني عادة على أحادية الرؤية والمبدأ في التحليل والتعليل والتفسير،وتتجاهل العوامل الأخرى في الظاهرة،كما تتجاهل العناصر الخارجة عن الحضارة الغربية وهو ما يكشف عن الطبيعة الإيديولوجية والجغرافية للعلوم الإنسانية والاجتماعية، لأن القضايا التي تدرسها هذه العلوم هي بالدرجة الأولى قضايا الحياة الاجتماعية ومشاكلها،ومن ثم فالمعرفة على العموم،والمعرفة الاجتماعية على وجه الخصوص، يعبران عن مدارس واهتمامات المفكرين والعلماء والباحثين.(14)وهو ما اصطلح عليه باسم " التحيز " بمعنى أن كل واقعة وحركة لها بعد ثقافي وتعبّر عن نموذج معرفي وعن رؤية معرفية،والنموذج هو صورة عقلية مجردة ونمط تصوري وتمثيل رمزي للحقيقة وهو نتيجة عملية تجريد ( تفكيك وتركيب) إذ يقوم العقل بجمع بعض السمات مع الواقع فيستبعد بعضها ويبقى البعض الآخر، ثم يقوم بترتيبها بحسب أهميتها ويركبها.(15) والتحيّز بهذا المعنى مرتبط ببنية عقل الإنسان ذاتها الذي يدرك الواقع من خلال نموذج فيستبعد بعض التفاصيل ويبقى بعضها الآخر،ويضخم بعض ما يتبقى ويمنحه مركزية ويهمش الباقي، وكل هذا يعني في واقع الأمر،أن التحيّز من صميم المعطى الإنساني ومرتبط بإنسانية الإنسان، أي بوجوده ككائن غير طبيعي لا يرد إلى قوانين الطبيعة العامة ولا ينصاع لها، فكل ما هو إنساني يحتوي على قدر من التفرّد والذاتية ومن ثم التحيّز.(16)

ودليل ذلك، هو ما نجده في العلوم الإنسانية والاجتماعية الغربية التي تنادي بحصر اهتماماتها في دراسة الظواهر الواقعة في العالم المحسوس فقط، أي تلك الظاهرات التي يمكن ملاحظتها وإقامة التجربة عليها، "...إن مثل هذه الدعوة تشكّل في نظرنا تحيّزا وتضييقا لمصدر المعرفة عن الإنسان ومجافاة لأخلاقيات الموضوعية نفسها التي تدعي تلك العلوم العمل بها والدفاع عنها.(17فالعالم الغربي يدّعي التحدث عن المجتمع الإنساني في حين أنه في الحقيقة يعني المجتمع الغربي، أو يدّعي التحدّث عن الدين ،في حين أنه في الحقيقة يعني المسيحية ،أو يدّعي التحدّث عن القوانين الاجتماعية والاقتصادية، في حين أنه في الحقيقة يعني بعض الممارسات العامة للمجتمعات الغربية.(18)

هـ وأخيرا إن إضفاء الصفة الإسلامية على العلوم الاجتماعية، يجب أن يعمل على إظهار علاقة الحقيقة موضع الدراسة مع ذلك الوجه أو تلك الناحية من النمط الإلهي المتصلة، ونظرا لأن النمط الإلهي يعد " المعيار" الذي يجب أن تعمل الحقيقة على إحلاله، فإن تحليل الأمر الواقع لا يجب أبدا أن يغفل ما يجب أن تكون عليه الأشياء. ولما كان العالم الغربي لا يستطيع أن يكون نزاعا لانتقاء الأهداف أو الغايات الجوهرية للمجتمع، بل ينتقد الوسائل فقط بسبب التزامه الواعي بتصوير الأشياء وليس تأييدها،فإن العالم الاجتماعي المسلم بخلاف ذلك،ونظرا لعدم تركه للنواحي القيمية في دراسة الشؤون الإنسانية ، فهو يكون نزاعا لانتقاد الحقيقة في ضوء النمط الإلهي " فالحقيقة في رأيه ليست بأكثر من تفهم ذكي للطبيعة المتمثّلة في التقارير والتجارب العلمية أو تفهّم الوحي الإلهي المتمثّل في القرآن، وكلاهما من صنع الله ".(19)

ويضيف " نصر محمد عارف "أن إسلامية المعرفة :" تلك العملية الفكرية المنهجية التي صاحبت العقل المسلم منذ أدرك مدلولات ( اقرأ باسم ربك ) و( اقرأ وربك الأكرم ) والتي تكاد تكون عملية فطرية تلقائية تسعى لأن تحقّق الاتّساق والانسجام والتوافق بين الإسلام كعقيدة ونظام معرفي وبين العلوم والمعارف الكونية والإنسانية."(20)وهو الموقف نفسه الذي ذهب إليه الدكتور محمد عمارة بقوله:"إسلامية المعرفة شعار جديد لمضمون قديم ... هي مهمة فكرية ورسالة ثقافية عرفتها حضارتنا منذ ظهور الإسلام، وأوّل كتاب عرض لهذه القضية هو القرآن الكريم. فشعار إسلامية المعرفة يوحي بالموقف القائل بقيام علاقة بين الإسلام وبين المعارف الإنسانية،كبديل إسلامي في المعرفة للنموذج المادي في المعرفة الذي كان سائدا قبل وعند ظهور الإسلام "(21). فإذا بعدت العلوم عن جوهر الإسلام ومقاصده، وخرجت عن نظامه المعرفي تحرك العقل المسلم لإرجاعها وتحقيق التوازن والانسجام بين بنيته المعرفية وتكوينه الإيماني والديني.(22)

إسلامية المعرفة إذن هي إعادة ربط العلاقة بين كتاب " الوحي " أو الدين وبين كتاب " الوجود " المدرك بحواس الإنسان، وهو ما تنفيه المذاهب الفلسفية المعاصرة من مادية ووضعية وتجريبية منطقية وسلوكية وغيرها من المذاهب.لقد بات واضحا أن الخلل الذي طرأ على المنظومات المعرفية المعاصرة الغربية منها والإسلامية في أحايين كثيرة،هو هذا الفصل بين الدين والدنيا بين الدين والمعرفة، بين العلم والقيم.إن إقامة المعرفة على ساق واحدة هي ساق الوجود بعلومه المختلفة سوف لن يحلّ المعضلة المعرفية التي تعيشها البشرية منذ قرون عديدة، بل الحل يكمن في إقامة المعرفة الإنسانية على أساسين اثنين: الوحي وعلومه، والكون وعلومه، وبذلك تكون إسلامية المعرفة هي المذهب القائل بوجود علاقة بين الإسلام وبين المعارف الإنسانية، والرافض لجعل الواقع والوجود وحده المصدر الوحيد للعلم الإنساني والمعرفة الإنسانية.(23)

ثم إن إسلامية المعرفة لا تعني الانكفاء على الذات وصد الأبواب في وجه الآخر أيا كان هذا الآخر، بل إن النظام المعرفي الإسلامي يعد نسقا مفتوحا على الآخر وليس مغلقا، فهو نظام تتعدّد فيه مصادر المعرفة لتشمل الوحي والوجود والتاريخ وإنتاج العقول على اختلاف أديانها وتجارب الآخرين السابقة والحاضرة.(24) فهو ذو طبيعة إنسانية وعالمية تخاطب البشر كافة، وعليه فإن عملية الأسلمة تأخذ منحيين أساسيين:

إحداهما يتجه إلى التجديد الداخلي من داخل البنية المعرفية الإسلامية، والآخر يتجه إلى بناء منهجية تعامل قويم مع أفكار وحضارات وتجارب الأفراد والمجتمعات الواقعة خارج دائرة النسق المعرفي الإسلامي وحضارته.

و يذهب البعض في تحديد مفهوم إسلامية المعرفة إلى التركيز على المضمون الأنطولوجي ويتناسى المضمون أو البعد الابستيمولوجي،لأن إسلامية المعرفة هي عملية معرفية منهجية ابستمولوجية بالأساس، ومن ثم ليست هي الاجتهاد أو التجديد،وإنما هي روحه وإطاره المعرفي والمنهجي،وليست هي النقل عن الآخر بعد الترجمة أو الانتقاء وإنما هي نموذج وزان Paradigm هو الذي يضع البوصلة ومن ثم يحدّد الوجهة والاتجاه. (25)وهذا الوزّان أو النموذج الذي يضبط فعل المعرفة والتفكير فيميز بين العلوم ولا يفصل بينهما، يميز بين العلوم الشرعية،وبين العلوم المدنية البشرية الحضارية، الإنسانية منها والطبيعية والتي موضوعها " الكون" :مادته وظواهره،وطاقاته،والنفس الإنسانية: في ذاتها واجتماعها، وعلاقتها، ويظهر هذا التصور بخلاف التصور الغربي الذي يفصل كما قلنا من قبل بين الدين والحياة، بين الدين والمعرفة، بين علوم الدين وعلوم الحياة ، فيعلي من شأن علوم الحياة،ويبعد أو يقصي علوم الدين.

إن إسلامية المعرفة تعني فيما تعني، أن كل العلوم تقوم على التصور الإسلامي سواء ما تعلق منها بالعلوم الشرعية أو العلوم الكونية، الإنسانية منها والطبيعية، وإسلاميتها إنما تعني إيجاد علاقة بينها وبين السنن الإلهية التي جاء بها الوحي في الكون والإنسان والاجتماع؛ وهي تعني أيضا، أن " يصدر إدراكنا لها وتصورنا ومعرفتنا لموضوعاتها حال استحضارها السنن والقوانين والضوابط والمقاصد الشرعية المتعلقة بها، أي اكتشاف علاقة " كتاب الوجود "بـ"كتاب الوحي " أثناء دراسة وتطبيقات هذه العلوم البشرية ـ المدنية ـ الحضارية ..."(26)

وفي السياق نفسه يأتي تعريف إسلامية المعرفة عند المفكر السوداني المعاصر » أبو القاسم حاج حمد بقوله:" أسلمة المعرفة تعني فك الارتباط بين الانجاز العلمي الحضاري البشري والإحالات الفلسفية الوضعية بأشكالها المختلفة وإعادة توظيف هذه العلوم ضمن نظام منهجي ديني غير وضعي،وهي تعني فيما تعنيه أسلمة العلم التطبيقي والقواعد العلمية أيضا،وذلك بفهم التماثل بين قوانين العلوم الطبيعية وقوانين الوجود التي ركبت على أساسها القيم الدينية نفسها،ولذلك تتم أسلمة الإحالات الفلسفية للنظريات العلمية بحيث تنفي عنها البعد الوضعي وتعيد صياغتها ضمن بعدها الكوني الذي يتضمن الغائية الإلهية في الوجود والحركة".(27)

يتضح لنا إذن،أن إسلامية المعرفة ليست موضوعا بحثيا أو حقلا معرفيا أو تخصصا أو فرعا من علوم الشرع أو الاجتماع والإنسان،وإنما هي ناظم معرفي وضابط منهجي يؤطر حركة العقل المسلم بل والبشري في تعامله مع ظواهر الإنسان والاجتماع ،والكون حتى يكون تعامله معها تعاملا مستقيما قائما على إدراك السنن الفاعلة فيها،والتي تستلزم وضع الغيب موضعه الطبيعي في النسق المعرفي الإنساني دون ذوبان كامل فيه يؤدي إلى باطنية ،ودون انعزال تام عنه يؤدي إلى العلمانية.(28)

وتجدر الإشارة إلى أن مفهوم إسلامية المعرفة لا يزال في مرحلة " مخاض" معرفي ومنهجي فتصوراته ومبادئه المعرفية لم تؤد بعد إلى ولادة منهجية متكاملة،تشتمل على إجراءات محددة وطرائق بحث بينة وقد يعود ذلك لتعدد دلالات المفهوم كما بينا سلفا. (29)

2-مرتكزات إسلامية المعرفة

عملية إسلامية المعرفة في نظر الفاروقي تنطلق كما أشرنا سابقا من دراسة الواقع بغية تشخيص مرضه ثم تصور حلول له، ولهذا يبدأ الفاروقي في عرضه لأسلمه المعرفة مما يلي:

أولا: المشكلة: لا أحد ينكر الوضع الذي آلت إليه الأمة الإسلامية من ضعف وهوان :سياسيا فهي منقسمة على نفسها. اقتصاديا فالأمة متخلفة غير قادرة على تلبية حاجياتها.ثقافيا ودينيا: فأفرادها معظمهم أميّون جهلة تسودهم الخرافة مما ولّد لديهم الحرفية والشكلية القانونية، وقيام عقيدة أفرادها على التقليد الأعمى.يقول الفاروقي: " وليس هناك شك في أن الداء هو في المسلمين أنفسهم وأن العلاج ينبغي أن يأتي من داخل الأمة الإسلامية،ولذا فكل إجراء لا يستهدف إيقاظ وعي المسلم ومن ثم تقويم شخصيته وإصلاح سلوكه إنما هو إجراء شكلي ظاهري لا يتعدى الترقيع الذي لا يصل إلى لب القضية. و يضيف قائلا: من البديهي أن مركز الداء ومنبعه في هذه الأمة إنما هو النظام التعليمي السائد ، ففي كلياته ومدارسه تولد عملية تغريب النفس عن الإسلام وتراثه وأسلوبه ،إن النظام التعليمي هو المعمل الذي يصوغ ويشكل وعي الشباب المسلم في قالب هو صورة ممسوخة للغرب ،فالمواد والمناهج التي تدرس في البلاد الإسلامية حاليا إنما هي نسخ مما عند الغربيين لكن مع افتقارها للرؤية التي تمدها بالحياة في بيئتها الأصلية."(30)

ثانيا: الحل المطلوب: انطلاقا من هذا التشخيص الواقعي للداء، يعتقد الفاروقي أن الحل هو حل مشكلة التعليم، هذا الأخير القائم على الثنائية فهو منقسم إلى نظامين " إسلامي " و" علماني " ويجب أن تزال هذه الثنائية ويقضي عليها إلى الأبد، يجب أن يدمج النظامان ويتكاملا في نظام واحد مشبع بروح الإسلام، ليصبح جزءا وظيفيا لا يتجزأ من برنامجه الفكري " إن الإسلام يستنكر كل تقسيم للبشر إلى رجال دين ورجال دنيا على أنه يطالب كل الناس بمعرفة الحق والالتزام به والدعوة إليه ...إن الإسلام نظام عام شامل فلابد للتصور الإسلامي الصحيح أن يتناول مظاهر النشاط الإنساني جميعا سواء أكان نشاطا بدنيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا أو سياسيا أو ثقافيا أو روحيا..."(31)

يقترح "الفاروقي" حلولا عمليا آنية، ويوكل مهمة تجسيدها إلى رجال الفكر والقادة المسلمين عامة، وإلى الجامعيين خاصة،على هؤلاء جميعا"...أن يعملوا على إعادة صياغة كل ميراث البشرية العملي من جديد من منطلق إسلامي.إن التصور الإسلامي لن يوجد حقيقة ما لم يكن تصورا لشيء ما، للحياة والحقيقة والكون".(32)إن إعادة صياغة العلوم في ضوء الإسلام هو ما يعنيه "الفاروقي" بكلمة "أسلمة " العلوم، ويعني بها إعادة صياغة المعلومات وتنسيقها وإعادة التفكير في المقدمات والنتائج المتحصل منها وتقييم الاستنتاجات التي انتهى إليها وإعادة تحديد الأهداف على أن يكون كل ذلك بطريقة تجعل فروع المعرفة المختلفة تثري التصور الإسلامي وتخدم أهداف الإسلام.(33)وقد جاء كتابه " إسلامية المعرفة :المبادئ العامة ـ خطة العمل ـ الانجازات ،ليبرز فيه أزمة الأمة الإسلامية، مشيرا إلى أن علتها تكمن في اعتلال الفكر والمنهجية وما يترتب على ذلك من اعتلال نظام التعليم السائد فيها مما يشكل تربة خصبة للداء، فهو يحلّل هذه الأزمة بالرجوع إلى حالة التعليم في العالم الإسلامي في الظرف الراهن، ليقف على حقيقة مرة تتمثل في افتقار أصحابها إلى الرؤية الصحيحة الواضحة، رؤية كلية في الإنسان والكون والحياة ، تنبع من العقيدة في الأساس.ثم يعرض ما يسميه "الفاروقي" بالمهمة، مهمة تمكن أفراد الأمة من إيجاد حلول لمشاكلها، حل أزمة الفكر والمعرفة الإسلامية عن طريق إيجاد حل لمشكلة التعليم، بمعنى إعادة تشكيل نظامها التعليمي من جديد،وذلك عن طريق دمج نظامي التعليم، نظام التعليم الديني مع نظام التعليم العام... يحدث هذا عندما تستبدال التصورات الغربية المدرجة في المقررات والمناهج الدراسية بالكليات والجامعات والمدارس بالتصور الإسلامي. يقول الفاروقي:"وللوصول إلى ذلك الهدف لابد لقضايا الإسلام الأساسية وأعني بها وحدة الحقيقة ووحدة المعرفة ووحدة البشرية ووحدة الحياة،والإيمان بوجود هدف من وراء خلق الكون والإنسان وتسخير الكون للإنسان ،وعبودية الإنسان لله، لابد لهذه القضايا كلها أن تحل محل التصورات الغربية وأن يتحدد على أساساها كيفية إدراك الحقيقة وتبويبها..."(34) ويربط الفاروقي بين كل هذا وقيم الإسلام التي تعمل على ضبط استخدام العلم لسعادة الإنسان، فتحل بذلك قيم الإسلام محل القيم الغربية وتقوم بتوجيه النشاط العلمي في كل مجال.(3)ولن يرى هذا المشروع النور، ويتحقق في الواقع إلا إذا تحمل الجامعيون مسؤوليتهم، فهم القادرون على كسر الطوق وإخراجنا من الحلقة المفرغة (35) ويعود ذلك في اعتقاد الفاروقي لأسباب ثلاثة:

أولا: أن الوعي بالمشكلة الأم وتصور الحل الفعّال وترجمته إلى رؤية جلية واضحة هو بالذات عمل الجامعيين .وهم مكلفون بإثبات الرؤية بتعميقها وتوضيحها ونشرها .

ثانيا: إنهم أنفسهم المعنيون بأمر تربية وإعداد خلفائهم في العلم، وإكثارهم عددا وعدة.

ثالثا: الجامعيون ليس معلمي تدريب يخرجون الطبيب والمهندس والمعلم...الخ، دون الاهتمام بما يدين به الطالب من فلسفة حياة أو ولاء، فهم المكلفون بحراسة نفوس الطلبة وإعدادها لغرس المستقبل، هم المكلفون بري إيمان الأمة بنفسها ومستقبلها برعاية عقيدتها فالجامعة حرم الأمة والإيمان قدس أقداس ذلك الحرم."(36)

وبالنظر إلى ما قدمه الفاروقي من مقترحات لإسلامية المعرفة يمكننا القول أنها على صنفين ،صنف يتعلق بالمرتكزات النظرية ،وآخر يتعلق بالمرتكزات العملية أو الواقعية.

2-1المرتكزات العملية أو الواقعية:

تجدر الإشارة إلى أن رؤية" الفاروقي" لإسلامية المعرفة نابعة في الأصل من معايشته للواقع المر الذي آلت إليه الجامعات والجامعيين في العالم الإسلامي، ففي نظره أن هناك أربعة مشاكل هي أم تأخر المسلمين وانحطاطهم هي: الاستغراب، الازدواجية،التقطيب،والرسالة.ولهذا نجده يقترح في إحدى أطروحاته ما أسماه "نحو جامعة إسلامية"،ويرسم جملة من الأهداف ينبغي على هذه الجامعة تحقيقها في الواقع، والمتمثلة في الآتي:

1- تراث العلم البشري والمقدس

أ- فهم وتحقيق حقائق الوحي الذي نقله وحققه القرآن والسنة.

ب- فهم وتحقيق المعرفة التي توصل إليها تراث العلم الإسلامي في كافة المجالات.

ج- فهم وتحقيق المعرفة التي توصلت إليها الإنسانية في العصور الحديثة وفي كل المجالات.(37)

2- الأمة ومشكلاتها:

أ- فهم وإبراز أسباب انحدار المسلمين والآثار الناجمة عنه.

ب- فهم وإبراز واقع الأمة في كل مظاهر وجودها.

ج- فهم وإبراز المشكلات التي تؤثر في حياة المسلمين في كل مجالات السعي.

3- الصلة الوثيقة للإسلام بالوضع الحالي:

أ- كشف وتحديد صلة الإسلام الوثيقة بكل مجالات المعرفة الإنسانية والسلوك الإنساني

ب- ترجمة صلة الإسلام الوثيقة إلى مدركات منهجية تساعدنا على فهم ووضع القواعد العملية اللازمة للتنفيذ.

ج- رسم وإقامة الخطط ووضعها في متناول المسلمين حاليا من أجل تمكينهم من حل مشكلاتهم وتحقيق قيم الإسلام.

4- الإسلام والعالم:

أ- فهم وإبراز وقائع الحاضر والمشكلات التي تجابه غير المسلمين في أنحاء العالم.

ب- كشف وإثبات صلة الإسلام الوثيقة بحاضر ومستقبل غير المسلمين، وترجمة هذه الصلة إلى برامج تساعد على اتخاذ القرار والممارسة.

5- تربية المسلمين:

أ- تربية المسلمين من الرجال والنساء وتنمية القدرات الانفعالية والثقافية اللازمة لتحمل تبعات تحقيق الأهداف السابق الإشارة إليها فيهم.

ب- تدريب المسلمين على فن تحويل أنفسهم والبشرية إلى أدوات للإرادة المقدسة من أجل تحقيق أوّلي للهدف المقدس في التاريخ.

6-حفظ التراث وإثراؤه.

أ -تهيئة الخدمات الضرورية لتمكن الدارسين والفنانين المسلمين من توضيح روح الإسلام وحركته والتعبير عنها.

ب- توثيق وحفظ الأعمال ذات الطابع الإسلامي عبر التاريخ.(38

2-2-المرتكزات النظرية:

فإسلامية المعرفة بنظره ترتكز على العناصر التالية:

أ- الثنائية : Duality

يؤكد هذا المبدأ تمايز حقيقة الخالق والمخلوق، فالله عز وجل هو الخالق،أما عالم الخلق، فهو الزمان والمكان بكل ما فيهما من موجودات وحوادث.فلا يمكن للخالق أن يتحد أو يتصل وجوديا أو يحل أو يتجسّد في المخلوق، ولا المخلوق أن يتحدّ أو يتصل وجوديا في الخالق.

ب- تحويل الواقع إلى مثال: Ideationality

يبين هذا المبدأ أن العلاقة بين عالمي الخالق والمخلوق، أعني عالمي الحقيقة، علاقة إدراكية في طبيعتها فلا صلة بين الخالق والإنسان المخلوق إلا بقوة العقل.

جـ - الغائية : Teleology

أي أن العالم خلق له غاية من وجوده،وهي تحقيق إرادة وجوده،وهي تحقيق إرادة الخالق، فالله سبحانه وتعالى لم يخلق الكون عبثا ولا باطلا، بل أحسن خلق كل شيء وقدره تقديرا.

د - القدرة الإنسانية : Capacity Of Man

و يترتب عن المبدأ السابق القائل أن الخلق كله خلق لغاية، أن الإنسان لديه القدرة على تحقيق تلك الغاية، ففي الإنسان قوة على تغيير نفسه، وتغيير مجتمعه، وتغيير الطبيعة المحيطة به، وفي نفس الإنسان ومجتمعه ومحيطه الطبيعي قوة على تقبل فعل الإنسان.

هـ المسؤولية والجزاء: Responsibility And Judgments

لأنه إذا كان الإنسان مكلّفا بتحقيق أوامر الخالق وقادرا على القيام بذلك التكليف، فإنه يصبح مسئولا،إذ بدون المسؤولية والحساب تسقط جدية التكليف.(39

على ضوء المبادئ الخمسة يخلص الفاروقي إلى أن التوحيد يعني:

أولا : رفض ما يخالف الحقيقة.

ثانيا: رفض استمرار التناقض.

ثالثا: الانفتاح وتقبل الدليل المخالف.(40)

والمتفحص لآراء الفاروقي يدرك بوضوح ربطه الدائم بين التفاصيل والجزئيات لمظاهر الحضارة مع النظرة الكلية الشاملة لمبدأ التوحيد وانعكاساته، فهو يعرض الإسلام من الداخل إلى الخارج،ويتخطى عاملي الزمان والمكان إلى مكمن العقيدة والدين ليجلي حقيقة الحضارة الإسلامية النقية،وبذلك تتضح معالم الصورة بين الجوهر في الدين والمظهر في الحضارة والعمارة، فالتوحيد هو لب هوية الحضارة الإسلامية.(41) وهذه الرؤية تعكس في النهاية مظاهر الرقي العلمي والفني والأدبي والاجتماعي التي تعبّر عن الحضارة الإسلامية، التي تربط بين المعرفة والعمل، التوحيد بالواقع، الدين بالحياة. بمعني إعادة تشكيل العلوم ضمن الإطار الإسلامي، و إخضاع نظرياته وطرائق تفكيره ومبادئ وغايات العلوم لما يأتي:

1- التوحيد

2-وحدة الخلق الذي يشمل بدوره النظام الكوني والخليقة،و تسخير الخليقة للإنسان.

3- المعرفة ووحدة الحقيقة.

4- وحدة الحياة، وفيها الأمانة الإلهية،والخلافة والشمولية.

5-وحدة الإنسانية

6-تكامل الوحي والعقل

7-الشمولية في المنهج والوسائل.(42)

وتتمثل أهمية مبادئ التوحيد وإسلامية المعرفة في المجال المعرفي في ضرورة صياغة مبادئ المعرفة على ضوء مبادئ وجودية خمسة، هذه المبادئ التي ذكرناها لها دلالاتها المعرفية والأخلاقية التي ينبغي أن توجه الفكر الإنساني وتضع جملة من المعالم الرئيسية للتصور الإسلامي للنظام المعرفي.حيث يعرض "الفاروقي" محتوى وطريقة الفكر الإسلامي للجامعة،أو ما يمكن أن نسميه الخطوط العريضة لعمل،وهي تشكل في النهاية مقومات وركائز ينبغي أن تسير عليها الجامعة وهي:

1- لا تناقض بين العلوم الثقافية والأخلاقية:لأن هدف الجامعة يجب أن يكون تنمية الإنسان الكامل، وعلى طريق تنمية الإنسان الكامل تلجأ الجامعة إلى هداية العقل والإرادة معا.

2- لا تناقض بين العقل والوحي: إن وحدانية الله وما يلي ذلك من وحدة الحقيقة والمعرفة تتطلب عدم الفصل بين العقل والوحي، يتم داخل الجامعة متابعة علوم الطبيعة والكون والمجتمع في حرية تامة، والوحي لن يناقض نتائج العلوم بصورة مطلقة.

3- لا تناقض بين الفرد والمجتمع: لأن الإسلام لا يعترف بشرعية التناقض بين الفرد والمجتمع ومن ثم فهو لا يقر بوجوب تقسيم المعرفة إلى علوم إنسانية وعلوم اجتماعية فكل الفروع التي تقوم بدراسة الإنسان واحدة في منهجها وهدفها النهائي، فمنهجها عقلاني وناقد لا يقف بالمعلومات عند حد المحسوسات.(43)

يتبيّن لنا من خلال تتبعنا لمفهوم إسلامية المعرفة و أسلمة العلوم في تصور الفاروقي ما يلي:

-يمكن وصف إسلامية المعرفة بأنها رؤية لجهد فكري منظّم، غايته ابتداع منهج نقدي تحليلي تركيبي يعمل على تطوير منظور توحيدي، تصدر عنه كل العلوم والمعارف.

- إسلامية المعرفة رؤية تنبذ تقليد الموروث العلمي تقليدا حرفيا لا إبداع فيه كما ترفض التبعية الفكرية والاستنساخ من الآخر.

- تتطلب إسلامية المعرفة دراية عميقة بالمدارس الفكرية والفلسفية الحديثة والمعاصرة، إلى جانب وعي عميق بالإسلام، واستيعاب ما أفضت إليه الخبرة الإنسانية في ميادين المعرفة المختلفة.

- إسلامية المعرفة هي نبذ للتفكير النظري المجرد الذي لا صلة له بالواقع، لهذا وجدنا أن مفهوم الفاروقي لإسلامية المعرفة يميل دائما إلى الصيغ الإجرائية العملية وليس إلى الترف الفكري الذي لا طائل من ورائه.(44

يلخص "إبراهيم عبد الرحمن رجب" جوهر أسلمة المعرفة في رأي الفاروقي ، في ثلاث نقاط أساسية هي:

1- فهم واستيعاب العلوم الحديثة في أرقى حالات تطورها، والتمكن منها وتحليل واقعها بطريقة نقدية لتقدير جوانب القوة والضعف فيها من وجهة نظر الإسلام.

2- فهم واستيعاب إسهامات التراث المنطلق من فهم المسلمين للكتاب والسنة في مختلف العصور، وتقدير جوانب القوة والضعف في ذلك التراث في ضوء حاجة المسلمين في الوقت الحاضر،وفي ضوء ما كشفت عنه المعارف الحديثة.

3- القيام بتلك القفزة الابتكارية الرائدة اللازمة لإيجاد " تركيبة " تجمع بين معطيات التراث الإسلامي وبين نتائج العلوم العصرية، بما يساعد على تحقيق غايات الإسلام العليا.(45)

ورغم الجهد الكبير الذي بذله الفاروقي في تحديده مفهوم إسلامية المعرفة، إلا أن مفهومها بقي يشوبه الكثير من أوجه التلبيس والتشويه والانحراف بالدلالة بعيدا عن المقصود به من قبل واضعيه والمتبنين له. فالبعض منهم اعتبر إسلامية المعرفة كهنوتا دينيا وسحبا للمقدس على مساحة العلوم الاجتماعية والطبيعية والبعض الآخر رأى فيها جمودا فكريا ونفسيا لكل إنجازات الإنسان وتقوقعا فيما أنتجه المسلمون الأولون،وهناك من وقع المصطلح في ذهنه بمعنى إضفاء بعض الألفاظ الإيمانية على منجزات العلوم المعاصرة دون إضافة شيء جديد.(46)

3- منهج إسلامية المعرفة

لقد وضع "الفاروقي" في سياق حديثه عن إسلامية المعرفة، جملة قواعد منهجية إجرائية تشكل ما يسمى بمنهج إسلامية المعرفة، من دراسة تراث العلم البشري المقدس،ومن إدراك لصلة الإسلام بالواقع الحالي، وإبراز رؤيته المعرفية لقضايا الوجود والمعرفة و القيم،وانتهاء بتربية الإنسان الكامل، وتأهيله لأداء دوره الرسالي في الحياة، فيكون بذلك قد تجاوز القصور المعرفي والمنهجي والإجرائي لجملة مشاريع الإصلاح والتجديد التي ظهرت في العالم الإسلامي خلال القرنين الماضيين، فهذه الحركات في اعتقاد الفاروقي: " لم تستطع أي من هذه الحركات إعادة شأن... (47) الإسلام للمسلم لأنها لم تكن تملك نظرة صحيحة لحالته " لقد عملت على إبعاد الإنسان المسلم عن ماضيه،ولم تعمل على تنقية نظريته الأساسية للعالم من تزايد الخرافات والجهل. (48)

إن منهجية إسلامية المعرفة في تصور" الفاروقي" تركز على الإبداع والابتكار فهي تتجاوز الرؤية الغربية التي تفتقد في رأيه إلى التركيب مع اقتدارها الكبير على عملية التحليل، لابد للعقل المسلم من تجاوز مواطن القصور المعرفي والمنهجي والانتقال من التحليل إلى التركيب الخلّاق بين المعرفة الإنسانية ومعارف الوحي،وذلك وفق تصور كلي تكاملي لشتى حقول المعرفة وميادينها ،بمعنى " ضرورة تجويد العلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة بجانب العلوم الإسلامية واعتبار أن هذا التجويد يمثل نقطة البداية نحو المعرفة الإسلامية المتكاملة، غير أن الفاروقي لم يستخدم مفهوم التكامل في التعبير عن هذه العملية، بل استخدم تعبير التركيبة الخلاقة ".(49) Synthesis Creative

فمنهج إسلامية المعرفة إذن هو تجاوز الفصام بين القراءتين وذلك بالجمع بينهما،حتى لا تنقسم المناهج والمعارف بين لاهوت كهنوتي وضعي ملحد ووجود عبثي، يؤول في النهاية إلى فكر سكوني جامد منشطر قاصر ومحدود.والدليل على ذلك هو ما تعانيه البشرية اليوم من أنواع الفصام في مناهجها التربوية ونظمها التعليمية بين علوم الدين وعلوم الكون،حيث نجد طلاب الوحي يرجعون إلى كليات اللاهوت وطلاب العلوم الكونية يذهبون إلى كليات العلوم التطبيقية، في انفصال تام وحاد بين المجالين وهو تصور خاطئ في اعتقاد الفاروقي:" حيث أن تقسيم الغرب للعلوم يركز على تصور خاطئ لعلم المعرفة...كما أنه كان نتيجة للصراع بين رجال العلم والكنيسة ومن ثم فليس فيه شيء للمسلمين ليحذو حذوه..."(50)

هكذا إذن، يكون منهج إسلامية المعرفة جمعا بين القراءتين واستواء لمطلقات، مطلق القرآن والإنسان والكون، و هيمنة للقراءة الأولى على القراءة الثانية، وتفاعل بين جدليات ثلاث هي جدلية الغيب و جدلية الإنسان، وجدلية الطبيعة.منهج يدرك الصلة بين بناء النسق القرآني وبناء الكون،هذا الأخير يعتبر شرطا ضروريا لبناء منهجية القرآن المعرفية،انطلاقا من مبدأ أن " القرآن الكريم " -كما يقول العلواني -مكافئ في بنائه للكون،وأنه وحده الكتاب الكوني الذي يمكن اليوم أن يقدم للبشرية التصور المنهجي البديل وتتم له الهيمنة بعد التصديق على مناهج العلوم،وعلى النسق المعرفي العالمي المعاصر.

وهذا المنهج قاعدته الأساسية- كما يعتقد الفاروقي-مبنية على دعامة التوحيد كناظم منهجي ومعرفي،وعلى وحدة الخلق في علاقته بالخالق،ووحدة الحق ومفهومه في الوحي وفي الوجود ووحدة الحقيقة فيهما.فبناء النظام المعرفي الإسلامي يقوم بالأساس على إعادة بناء الرؤية الإسلامية المعرفية القائمة على أركان العقيدة، القادرة على الإجابة عن الأسئلة الكلية النهائية،وبناء قدرة ذاتية على النقد المعرفي الذي يمكن من الاستيعاب والتجاوز بشكل منهجي منضبط، ليفضي في النهاية إلى القدرة على التوليد المعرفي والمنهجي، المؤدي بالضرورة إلى الإبداع والابتكار.(51) وعملية النقد المعرفي من شأنها أن تعيد فحص المناهج المعرفية التراثية وتعديلها،نتيجة ما أصابها من قراءة مفردة وتجزيئية،عجزت عن الربط بين القرآن والإنسان والكون في مرحلة ضعف النظام المعرفي الإسلامي، نتيجة ما لحق بالعقل المسلم من اضطرابات وأمراض فكرية شلّت فاعليته وعطّلته عن التوليد والبناء والإبداع المعرفي.

وبعد إعادة بناء الرؤية المعرفية الإسلامية القائمة على عقيدة التوحيد، وبعد إعادة فحص وتشكيل وبناء المناهج المعرفية القرآنية، يأتي المرتكز الثالث والمتمثل في بناء مناهج التعامل مع القرآن المجيد، باعتبار " أن القرآن هو في الحقيقة تصوير فكري لجوهر الإسلام، فهو يصف نفسه بأنه رسالة تبين الدين أو " الدين والقيم " والقرآن " دين الفطرة " التي فطر الله الناس عليها لما وهبهم القدرات العقلية التي يميزون بها قوانينه أو أنساقه في جميع ميادين الحياة والعمل، وهو بالإضافة إلى كونه يعنى بقوانين الدين والأخلاق، فهو تمثيل معنوي وتعبير عن مبادئ وأنساق."(52)

يكشف "الفاروقي" عن خصائص القرآن، باعتباره وحيا منزلا على البشر، يقدم لها إرشادات، تسمى "شريعة" أو منهاجا، وينبه إلى أن" الشريعة عرضة للتغير بتغير الزمان والمكان متكيفة كما يجب،مع وضع من تخاطبهم، فحاجة المجتمعات المختلفة يجب أن تقرر طبيعة التشريعات التي ينتظر منهم مراعاتها، لكن مبادئ الشريعة وغاياتها من الناحية الأخرى، يجب أن تبقى فوق مستوى التغير، وتظل كما هي بين الخليقة لأنها تمثل الغايات "(53) القصوى للخالق. فهذا النص يبين للإنسان المسلم كيفية فهم القرآن والشريعة ،انطلاقا من خصائصهما، كما أن الرسالة تشكّلت في قالب لغوي لخير مجتمع معين، ولما كانت المجتمعات يعتريها من التغير والتبدل نتيجة تغير اللغة،أو الهجرة الجماعية الكثيفة، مما يجعلها عرضة لسوء الفهم أو سوء التفسير،ويقع بينها وبين الرسالة ما يحول دون فهم معانيها، فإن القرآن هو البيان الذي يعرف نفسه، باعتباره " المرجع الأوحد والأخير الذي ينطوي على جميع المبادئ الأساسية للخليقة والحياة البشرية ...فقد أريد للقرآن أن يوفر الاستمرارية والهوية..."(54)

فالفاروقي في هذه الحالة يضع لنا جملة قواعد تبين كيفية التعامل مع النص القرآني الذي يتعرض لجملة تشويش وتشويه من طرف المفكرين منذ نزوله،وتعتبر هذه القواعد بمثابة ضوابط معرفية ومنهجية للعقل المسلم كي لا يحيد عن المسار الصحيح" من أجل ذلك كان من الواجب تجميد النص القرآني وإبقاؤه على حاله طوال القرون إلى جانب تجميد وسائل المعرفة الضرورية لفهمه ( أي اللغة العربية بجميع قواعدها وأبنيتها وما تنطوي عليه من تصانيف الفكر ومفرداتها بصيغها ومعانيها، إن قول القرآن عن ذاته أنه كلام الله الحرفي،وتعلق اللغة العربية، بالكلمة الإلهية بوصفها شيئا لا ينفصل عنها هو مما يتسق مع هذا النظام الإلهي الشامل."(55)

وفي نفس السياق يشير أبو القاسم حاج حمد إلى كيفية الاستخدام القرآني للمفردة اللغوية وعائدها المعرفي بدلالة واحدة محددة تنفي أي ترادف أو اشتراك أو تضاد، وبما يخرج باللغة من حيز الكلام إلى حيز المصداق بما في ذلك التمييز المعرفي بين اسم العلم كآدم واسم المحمول كزوج(56) وهو ما يوحي بخصائص البنائية القرآنية وفق ناظم منهجي مؤطر لوحدة الكتاب العضوية، بحيث لا تؤخذ آياته بشكل تجزيئي ،أو بتقسيمها المكي والمدني...الخ ويعكس في النهاية أن كلية القراءة القرآنية تنتهج منهجا معرفيا جدليا يهيمن عبر محددات نظرية ـ على الأبعاد الكاملة للفلسفة الكونية بما فيها مقتضيات التشريع والعبادات وما يندرج من موضوعات ترد إلى أصول المنهج.وينتهي إلى أن تؤدي القراءة المنهجية للقرآن إلى تحديد فحوى الدلالات الوضعية والرمزية في لغته، بحيث يوضع عنها الالتباس والغموض، الذي وقع الكثير من المفكرين والعلماء والمفسرين ضحايا لهذا الفهم غير الكلي واللا منهجي .

4- أهداف إسلامية المعرفة

بالنظر إلى التحليل السابق المتعلق بالأزمة المعرفية التي أصابت النظامين المعرفيين الغربي والإسلامي، فإن مشروع إسلامية المعرفة يهدف في النهاية إلى:

- تحقيق التكامل أو الاندماج التام بين العلوم الشرعية والعلوم الاجتماعية وغيرها من العلوم الحديثة التي أصابها الانفصال، وهذا الأخير ما كان له أن يحدث لولا ظروف تاريخية معروفة وليس لأي اعتبارات علمية أو منهجية.(57)

- المساهمة في حوار حضاري حول مشكلات تعاني منها العلوم الإنسانية وحتى الطبيعية المعاصرة من حيث الرؤية أو من حيث المنهج أو من حيث النتائج.(58)

فمن حيث المنهج هناك التقاء على الهدف بين العلوم الإنسانية والدين يتمثل في التمكين للإنسان كي يعيش سعيدا في حياته ،ويتسامى من الإسلام بهذا الهدف: بحيث لا يقصر الإنسان تصوره للسعادة على الاستمتاع المادي بالحياة وإنما يجعل من المادة غاية لقيم إنسانية عليا تحقيق التوازن النفسي بالتقاء سعادة الروح بسعادة الجسد.(59) إذ يذهب البعض إلى المناداة بوحدة المنهج بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية ...فالإنسان في رأيهم ليس إلا جزءا من العالم الطبيعي ويفسّر في نطاق التفسير العام للنظام الطبيعي ومادة العلاقات الإنسانية إذ أريد لها أن تكون علما فلا مندوحة لها من السير في نفس الطريق المنطقي الذي تسير فيه بقية العلوم الطبيعية.."(60)

بيد أن الدراسات المعاصرة تكشف بقوة أن مناهج البحث العلمي في العلوم الطبيعية تعاني من أزمة تمس صميم مصداقيتها العلمية، فكيف يتأتى لنا تأسيس العلوم الإنسانية على أزمة منهج.

ومن حيث النتائج فإن العلوم الاجتماعية بصيغتها الحالية لم تفلح في تحقيق العدالة الاقتصادية بين الشمال والجنوب،وفشلت في توثيق الروابط الاجتماعية المتهرئة،بل وأعطت المشروعية القانونية لتفكك الروابط الأسرية، فلا شأن للآباء بالأبناء عند سن معينة،ولا فضل للآباء الذين ينتهي بهم المطاف إلى دور العجزة والمسنين. كما أن هذه العلوم الاجتماعية لم تستطع اقتلاع جذور التعصب العرقي والعنصري وما يحدث في مختلف بقاع العالم.(61)

أما على مستوى الفرد فقد أخفقت هذه العلوم في تحقيق التوازن النفسي والروحي والمادي للإنسان،فصار القلق متفشيا، وأخذت محاولات الهروب الاجتماعي أشكالا مدمرة،وزاد من حجم المأساة أن تحولت نتائج الانحلال الاجتماعي الذي روجت له هذه العلوم باسم حرية الجنس إلى أمراض وبائية لم تسمع عنها الإنسانية من قبل ولا تزال حائرة في كيفية التخلص منها.(62) إن هذه العلوم باعتمادها سبيل الحواس تعيش قصورا في ضبطها لمعارف الإنسان في الوجود الطبيعي والإنساني وهي ثمرة طبيعية لما بنيت عليه من مصادر المعرفة.وعليه فالعلوم مطالبة بالانتقال من قراءتها الأحادية المنحصرة حول الوجود إلى القراءة التوحيدية الشاملة التي تحتوي القراءة الثانية بمنطق الإيمان الدال على التسخير الإلهي للكون وليس العلو والطغيان والصراع والتضاد،والأمر لا يتوقف عند هذا الحد ـ بل يتعداه إلى الكشف عن المنهج الكوني القرآني والتعامل مع القرآن نفسه كمنهج معرفة متكاملة ، فبالقراءة الأولى تتأسس قواعد مفاهيم متكاملة ومرتبطة فهي وإن استصحبت القراءة الثانية ، فإنه تتسامى بها إلى ما فوق النزوعات الغريزية من جهة ثم تستصحب ما يستجد من مناهج القراءة الثانية لتعزز به رؤاها الربانية فهي قراءة في داخلية القرآن وليس حسا ظاهريا لمعانيه.ولما تصل العملية المعرفية إلى هذه الدرجة تكون قد وصلت بالقرآن إلى جعل القرآن المقابل الديني للمفاهيم الوضعية،إذ أن المعرفة المقابلة للوضعية لا تكون إلا إسلامية ولا يمكن أن نطلق عليها اسما آخر " فحين يسترد الدين المعرفة العلمية إليه باتجاه الكونية ويبرئها من الوضعية يكون قد قام بعملين مزدوجين في كل واحد فمن ناحية يدين الصراع اللاهوتي المسيحي مع العلم،ومن ناحية أخرى يدين توجهات الوضعية في العلم ولا تكون المعرفة بعد ذاك إلا إسلامية،مبرئة الدين من اللاهوت بذات الوقت الذي يبرئ فيه العلم من الوضعية."(63)

وهو ما يستوجب التأكيد على كونية الإنسان مجددا، وربطه بالمنهج الرباني الكوني للتعامل مع مشاكله التطبيقية وإشكاليته العقلية والأخلاقية،مع الإشارة إلى أن العملية المعرفية بهذا التصور ليس مجالها القلب والتدين التطهري والآخرة، وإنما مجالها الواقع الحياتي الموضوعي الحي،والتغلب على الأزمات والآثار الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والسياسية الناتجة عن قصور واختلال المذاهب الوضعية.(64

ويعتقد البعض من دعاة إسلامية المعرفة أنها تعني فيما تعني ممارسة النشاط المعرفي كشفا وتجميعا وتركيبا وتوصيلا ونشرا من زاوية التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان"إن هذه الإسلامية"لا تنسحب فقط على ما يسمى بالعلوم الصرفة والتطبيقية في التعامل مع الوجود وإنما تمتد بالضرورة إلى ما يعرف بدائرة العلوم الإنسانية بل أنها في هذه أشد ضرورة لأنها المعنية بترتيب وضع الإنسان في العالم وتنظيم حياته مما يجعله قديرا على تحقيق مهمته في العالم...إن إسلامية المعرفة ها هنا لا تعني فقط الدعوة لتحقيق الوفاق بين معطيات العلوم الإنسانية وبين المطالب الدينية على مستوى التطبيق، و إنما تعني قبل هذا وبعده احتواء كافة الأنشطة المعرفية الإنسانية الإيمانية وتشكّدلها وفق مطالبها وتصوراتها الشاملة أسوة بالعلوم الأخرى."(65 وهذا ما يؤول في النهاية إلى بناء نظرية المعرفة التوحيدية التي تقوم على أساس أن للكون خالقا واحدا أحدا استخلف الإنسان وعلّمه ما لم يكن يعلم، وجعل الوحي مصدرا إنشائيا أساسيا لمعرفته والوجود مصدرا موازيا بقراءتهما في إطار التوحيد الخالص تتكون المعرفة السليمة الرشيدة الهادفة، معرفة التوحيد والاستخلاف والأمانة والعمران، والشهود الحضاري."(66)

ونحسب أن هذا يتحقق بتحرير العلوم من العوامل الذاتية والثقافية وترسّبات البيئة التي أنتج فيها، وتأثيراتها التي تطفح باستمرار بصورة تحيزات حادة للمنظور الغربي.(67) وهذا التحرير يعتبر حلا نظريا وواقعيا لإشكالية النهايات الفلسفية الجامدة التي سقطت فيها المعرفة الغربية المعاصرة يسودها دائما مفهوم النهايات، سواء نهاية التاريخ أو نهاية الليبرالية أو نهاية العالم، أو نهاية الإنسان، أو نهاية الدين ..الخ، وذلك لتلافي الإجابة عن سؤال كلي فشلت جميع الفلسفات الإنسانية في الإجابة عنه، لأنها تجاهلت الوحي فلم تستطع الإجابة عن ذلك السؤال، الذي يتمحور حول هو ما غاية هذا الكون وأين تقع نهايته ؟. فإسلامية المعرفة تهدف وناظمها المعرفي إذن إلى تفادي النهاية المسرحية أو السيناريو التصوري للوجود البشري أو الحضارة، فتلغي بذلك تماما التفكير في النهاية كإشكالية معرفية،إذ أنها نهاية مفتوحة معرفيا لا حدود لها في هذه الدنيا، فهي تخرج عن حدود الخطاب البشري أو فهوماته -كما يؤكد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه@ ،إذ يؤكد على أنه حتى لو تأكدت كل علامات الساعة فلا تبحث عن النهاية أو تضع حدا لحضارة الإنسان أو عمله وعمران الأرض.

الخطة الأساسية لمشروع إسلامية المعرفة (الفاروقي ) (68)

 

خـلاصة

إسلامية المعرفة إذن هي مجموعة العمليات الفكرية والمعرفية، البحثية والعلمية التي تستهدف إعادة تشكيل العقل المسلم المعاصر، وبناء النسق الثقافي والمعرفي الإسلامي من خلال بناء النموذج المعرفي كشفا وتحديدا وتأصيلا وتركيبا وإبداعا على هدي من الرسالة السماوية،بمعنى أنها تسعى إلى إعادة تنظيم المعرفة وفروعها وعلومها تحت لواء مبدأ التوحيد،وتبيان وكشف علاقة الحقيقة بالنموذج ( النمط) الإلهي ،ثم العمل على اكتشاف وفهم النمط الإلهي بتجلياته المختلفة وحيا وكونا وإنسانا.وكذلك فهي تروم إعادة تصنيف العلوم وترتيبها وتبويبها ووضعها في نفس المرتبة دون تفاضل،وذلك بالإشارة إلى التناغم الحاصل بين الأشياء المادية والشؤون البشرية وحقائق الوحي ( الدين)و تناسق العالمين عالم الغيب وعالم الشهادة.وهو ما يعني إعادة الربط بين المعرفة والعلم والقيم، وإرجاع العلم إلى دائرة القيم بعد أن استلبته الوضعية المنطقية،وثبت خطأ وخطورة الفصام بين العلم والمعرفة والقيم على البشرية.ويكون ذلك بإحياء التفاعل والجدل بين القراءتين: قراءة الوحي وقراءة الكون ،بمعنى اكتشاف العلاقة المنهجية بين الناظم المنهجي لآيات القرآن من ناحية وبين السنن والقوانين المبثوثة للوجود وحركته من ناحية ثانية,ثم تحقيق التكامل المعرفي بين العلوم والمعارف بين المعرفة والعلم بين المعرفة والقيم، بين العلم والقيم بين المعرفة والدين، بين الدين والحياة، بين عالم الشهادة وعالم الغيب، بين الغيب والكون والإنسان.

كما أنها تعني تجاوز القراءات الأحادية للوجود وللوحي وللحقيقة.وتحديد العلاقة بين مطلق الغيب ومطلق الكون ومطلق الإنسان.ثم الكشف عن مناهج التعامل مع الوحي والكون والإنسان،بالاستناد إلى الكشف وبناء مناهج التعامل مع النص والتراث الإسلامي والغربي والواقع المعاصر المحلي والعالمي، وذلك من خلال ربط العلوم بغاياتها في الرؤية الإسلامية القائمة على التوحيد والمستندة إلى التصور العقدي الكلي الشمولي.وإعادة تركيب بعد تفكيك للنسق المعرفي الجديد من خلال تبرئة الدين من اللاهوت وتبرئة الإنسان من الوجودية العبثية وتبرئة العلم من الوضعية والمادية.

إعادة إحياء النظام المعرفي الإسلامي، وبنائه من جديد وفق منهجية معرفية تتوافق ومعطيات العصر والعلم والمعرفة والواقع فتجدّد مفهومه، وطبيعته وخصائصه وأسسه ومجالاته، ويكون بالمراجعة النقدية للأسس المعرفية للفكر الغربي، والإسهام في تطوير منهجية عملية بديلة قائمة على المنظور التوحيدي كمركز تنتظم حوله كل المعارف والعلوم.

إقامة نظام معرفي شامل ومتكامل يؤلف بين معرفة الخالق ومعرفة ما خلق ؟ ومن خلق ؟وكيف خلق ؟.

الحديث عن العلاقات البينية بين العلوم،والعلم بالخلل الموجود في المنظومة المعرفية الغربية،الذي يكشف عن مواطن القصور في نظامها المعرفي وفي الآن ذاته يكشف عن نقاط الضعف في التراث الإسلامي.وهو ما يستوجب عملية النقد الداخلي للتراث والنقد الخارجي للمعارف الإنسانية. إسلامية المعرفة إذن تأخذ منحيين أساسيين: إحداهما يتجه إلى التجديد الداخلي من داخل البنية المعرفية الإسلامية والآخر يتجه إلى بناء منهجية تعامل قويم مع أفكار وحضارات وتجارب الأفراد والمجتمعات الواقعة خارج دائرة النسق المعرفي الإسلامي وحضارته.وهو ما يبعدها عن مزالق الايديولوجيا باعتبارها نسقا معرفيا مغلقا.

البحث عن منهج توليد المعرفة وإنتاجها بدلا من استهلاكها، وذلك بالتركيز على فكرة النموذج المعرفي للأنظمة المعرفية المنطلق من مبدأ التوحيد كناظم معرفي وضابط منهجي للمعرفة والحضارة والحياة.وتبيان أن مبدأ التوحيد هو جوهر الحضارة الإسلامية وعنوانها، والتأكيد على دور الدين في جميع مناحي الحياة، انطلاقا من التصور العقدي الإسلامي، وبيان ضرورته المنهجية والحياتية والمعرفية، لمعالجة مشكلات الإنسان المسلم خاصة والإنسان المعاصر بصفة عامة.

المصادر والمراجع

أولا:المصادر

1ـ الكتب

إسماعيل الفاروقي:

1-إسلامية المعرفة ـ المبادئ العامة ـ خطة عمل ـ الانجازات، الطبعة الأولى،دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 1421هـ/2001م.

2-أطلس الحضارة الإسلامية، الطبعة الأولى، ترجمة، د.عبد الواحد لؤلؤة،مراجعة، د رياض نور الله،مكتبة العبيكان، الرياض، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1419هـ/1998م

3-العلوم الطبيعية والاجتماعية من وجهة نظر إسلامية، الطبعة الأولى، شركة مكتبة عكاظ للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الرياض، 1404هـ /1984م.

طه جابر العلواني :

4- الجمع بين القراءتين، قراءة الوحي وقراءة الكون،الطبعة الأولى،مكتبة الشروق الدولية، القاهرة 1427هـ/2006م.

5-ابن تيمية وإسلامية المعرفة، ط2، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1415 هـ/1995م.

6-نحو منهجية معرفية قرآنية، ط1، دار الهادي للطباعة والنشر، والتوزيع، بيروت، لبنان ،2004،م

7-إسلامية المعرفة بين الأمس واليوم، الطبعة الأولى، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، القاهرة، 1417هـ/ 1996م.

-محمد أبو القاسم حاج حمد:

8 -العالمية الإسلامية الثانية، الجزء الثاني، ط2، دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 1416هـ/1996م.

9-منهجية القرآن المعرفية، أسلمة فلسفة العلوم الطبيعية والإنسانية، ط1، دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان 1424هـ/2003م.

10-ابستمولوجية المعرفة الكونية، إسلامية المعرفة والمنهج، ط1، دار الهادي للطباعة والتوزيع، بيروت، لبنان،1425هـ/2004م.

Is Mail Raji AL Faruqi : Al Tawhid :Its Implications For Thought And Life ; International Institute Of Islamic Thought , Herndon ,Virginia ,U.S.A 1412 /1992 ,

2-المقالات

إسماعيل الفاروقي :

-حساب مع الجامعيين،مجلة المسلم المعاصر، العدد الحادي والثلاثون، رمضان 1402ه/ جويلية 1982 السنة الثامنة، بيروت، لبنان.

- نحو جامعة إسلامية، ترجمة محمود رفقي محمد عيسى مجلة المسلم المعاصر، السنة التاسعة ، العدد 33 ربيع الأول 1403هـ جانفي 1983م، بيروت.

- أسلمة المعرفة، ترجمة فؤاد عودة، عبد الوارث سعيد،مجلة المسلم المعاصر، العدد الثامن، أكتوبر 1982، بيروت.

أبو القاسم حاج حمد:

-إسلامية المعرفة: المفاهيم والقضايا الكونية، مجلة تفكّر، المجلد الثالث، العدد الثاني، 1422هـ، 2001م معهد إسلام المعرفة، جامعة الجزيرة، السودان.

-قراءة تفكيكية معاصرة في النسق التاريخي لإنتاج التراث الديني بشريا وإعادة قراءة (تركيبية) على ضوء المطلق القرآني والسنة النبوية النسبية الموازية،مجلة المنطلق، العدد 111،ربيع الاول1415هـ/1995م الشركة للعربية للتوزيع لبنان .

ثانيا:المراجع:

1- الكتب

11-علاء مصطفى أنور:أزمة المنهج في العلوم الإنسانية ضمن كتاب: قضيا المنهجية في العلوم الإسلامية والاجتماعية، إعداد مجموعة من الباحثين، تحرير نصر محمد عارف.

12- مجموعة من المؤلفين:قضايا المنهجية في العلوم الإسلامية، إعداد مجموعة من الباحثين، تحرير، نصر محمد عارف، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، القاهرة، 1417هـ/ 1996م،.

13-عماد الدين خليل : مدخل إلى إسلامية المعرفة، الطبعة الثانية، المعهد العالمي للفكر الإسلامي ، هيرندن ، فرجينيا ، الولايات المتحدة الأمريكية ، 1412هـ/1991م.

14-محمود الذوادي: ملامح التحيز والموضوعية في الفكر الإنساني الغربي والخلدوني، ضمن كتاب " إشكالية التحيز" محور العلوم الاجتماعية ، تحرير عبد الوهاب المسيري.

15-عبد الوهاب المسيري: إشكالية التحيز المقدمة " فقه التحيز " تحرير: د عبد الوهاب المسيري ، ط 3 المعهد العالمي للفكر الإسلامي هيرندن، فيرجينيا الولايات المتحدة الأمريكية، الأحد 1418هـ/1998م.

2- المقالات

-لؤي صافي:

-الوحي والعقل بحث في إشكالية تعارض العقل والنقل، مجلة إسلامية المعرفة، السنة الثالثة، العدد الحادي عشر، ماليزيا، شتاء 1418هـ/1998م، المعهد لعالمي للفكر الإسلامي.

-إسلامية المعرفة من المبادئ المعرفية إلى الطرائق الإجرائية،السنة الأولى، العدد الثالث، رمضان 1416هـ/جانفي 1996م،المعهد العالمي للفكر الإسلامي.

-أحمد محمد إبراهيم: مفهوم التكامل المعرفي وعلاقته بحركة إسلامية المعرفة، س 11/ العدد 42، 43 خريف 2005م، شتاء 2006م، المعهد العالمي للفكر الإسلامي.

-محمد عمارة: إسلامية المعرفة البديل الفكري للمعرفة المادية، مجلة المسلم المعاصر، السنة السادسة عشر، العدد الثالث والستون، فبراير 1992.

- إبراهيم عبد الرحمن رجب: " المسلم المعاصر" وقضية أسلمة المعرفة،مجلة المسلم المعاصر، السنة الرابعة والعشرون ، العدد، ( 93،94 1422هـ/ 1999م القاهرة.

- نصر محمد عارف:حول دلالات مفهوم إسلامية المعرفة،مجلة الفكر الإسلامي، العدد الخامس عشر، صفر 1415هـ/ جويلية 1994م المعهد العالمي للفكر الإسلامي،القاهرة.

-مجدي عاشور: مجلة الفكر الإسلامي، العدد15، القاهرة.مصر.



whid :Its Implications For Thought And Life International Institute Of Islamic Thought , Herndon ,Virginia ,U.S.A 1412 /1992 ,p xv

(2) المصدر نفسه : الصفحة نفسها.

(3) المصدر نفسه : الصفحة نفسها.

(4) المصدر نفسه :ص 28-29.

(5) إسماعيل الفاروقي : إسلامية المعرفة ـ المبادئ العامة ـ خطة عمل ـ الانجازات ، ص ص29،30.

(6) المصدر نفسه : ص30.

(7) المصدر نفسه: ص 34 وما بعدها.

(8) د إسماعيل الفاروقي : صياغة العلوم الاجتماعية صياغة إسلامية ،مجلة المسلم المعاصر ، العدد العشرون ، محرم 1400هـ/ديسمبر 1979 ، بيروت، ص 28، 29.

(9) إسماعيل الفاروقي : صياغة العلوم الاجتماعية صياغة إسلامية ، ص 34،35.

(10) المصدر نفسه: ص35.

(11) المصدر نفسه : الصفحة نفسها.

(12) المصدر نفسه: ص 36..

(13) إسماعيل الفاروقي : صياغة العلوم الاجتماعية صياغة إسلامية،ص36.

(14) إشكالية التحيز ،محور العلوم الاجتماعية ،تحرير عبد الوهاب المسيري..

(15) المصدر نفسه ، ص33.

(16) أنظر إشكالية التحيز ،محور العلوم الاجتماعية ،تحرير عبد الوهاب المسيري: ص ص33،34.

(17 محمود الذوادي: ملامح التحيز والموضوعية في الفكر الإنساني الغربي والخلدوني ، ضمن كتاب " إشكالية التحيز" محور العلوم الاجتماعية ، تحرير عبد الوهاب المسيري ، ص 36.

(18) إسماعيل الفاروقي: صياغة العلوم الاجتماعية صياغة إسلامية ، ص36

(19) ) المصدر نفسه، ص36 وما بعدها

(20) المصدر نفسه : الصفحة نفسها .

(21) محمد عمارة: إسلامية المعرفة البديل الفكري للمعرفة المادية، مجلة المسلم المعاصر، السنة السادسة عشر،العدد الثالث والستون، فبراير 1992، ص05

(22) نصر محمد عارف: حول دلالات مفهوم إسلامية المعرفة ، ص15.

(23) محمد عمارة:إسلامية المعرفة البديل الفكري للمعرفة

(24) نصر محمد عارف: حول دلالات مفهوم إسلامية المعرفة، ص15.

(25) المرجع نفسه، ص16

(26) محمد عمارة:إسلامية المعرفة البديل الفكري للمعرفة المادية، ص 10،11

(27) محمد أبوا القاسم حاج حمد : منهجية القرآن لسفة العلوم الطبيعية والإنسانية، ص30.

(28) نصر محم6.

(29) لؤي صافي :إسلامية المعرفة من المبادئ المعرفية إلى الطرائق الإجرائية ،مجلة إسلامية المعرفة ، السنة الأولى ، العدد الثالث ، رمضان 1416هـ/جانفي 1996، المعهد العالمي للفكر الإسلامي ، ص ص40-41.

(30) إسماعيل الفاروقي: أسلمة المعرفة : ترجمة فؤاد عودة ، عبد الوارث سعيد ،مجلة المسلم المعاصر ، العدد الثامن ، أكتوبر 1982، بيروت، ص10.

(31) المصدر نفسه: ص14

(32) المصدر نفسه ، الصفحة نفسها.

(33) إسماعيل الفاروقي: أسلمة المعرفة. ص14

(34) المصدر نفسه : الصفحة نفسها.

(35) إسماعيل الفاروقي :حساب مع الجامعيين ،مجلة المسلم المعاصر، العدد الحادي والثلاثون ، رمضان 1402ه/ جويلية 1982 السنة الثامنة، بيروت، لبنان، ص48

(36) إسماعيل الفاروقي :حساب مع الجامعيين: ص48،49

(37) (37)(3إسماعيل الفاروقي : نحو جامعة إسلامية ، ترجمة محمود رفقي محمد عيسى مجلة المسلم المعاصر ، السنة التاسعة ، العدد 33 ربيع الأول 1403هـ جانفي 1983م، بيروت، ص ص47-48.

(38) إسماعيل الفاروقي : نحو جامعة إسلامية ، ص48.

(39 ابوبكر محمد احمد إبراهيم :مفهوم التكامل المعرفي ، ص28، 29.

40 إسماعيل الفاروقي : أطلس الحضارة الإسلامية ، ص136.

(41) إسماعيل الفاروقي ، أطلس الحضارة الإسلامية، ص ص17،18.

(42) إسماعيل الفاروقي :إسلامية المعرفة ، المبادئ العامة-خطة العمل الانجازات- ص ص189 -127.

(43) إسماعيل الفاروقي : نحو جامعة إسلامية، ص ص48، 51.

(44) أبو بكر محمد احمد إبراهيم: مفهوم التكامل المعرفي، ص

(45) إبراهيم عبد الرحمن رجب: " المسلم المعاصر " وقضية اسلمة المعرفة ،مجلة المسلم المعاصر ، السنة الرابعة والعشرون ، العدد، ( 93،94 1422هـ/ 1999م القاهرة. ص70

(46) ) نصر محمد عارف :حول دلالات مفهوم إسلامية المعرفة ،مجلة الفكر الإسلامي ، العدد الخامس عشر، صفر 1415هـ/ جويلية 1994م المعهد العالمي للفكر الإسلامي ، ص15.

(47) Is Mail Al Faruqi : Al Tawhid : Its Implications For Thought And Life ,P Xiv

(48) د ابوبكر محمد احمد إبراهيم : مفهوم التكامل المعرفي ،مجلة إسلامية ا لمعرفة ، ع 42، 43.

(49) المرجع نفسه : ص42.

(50) إسماعيل الفاروقي : أسلمة المعرفة ، ص49.

(51) طه جابر العلواني : الجمع بين القراءتين ، الوحي وقراءة الكون، ص59.

(52) إسماعيل الفار وقي : أطلس الحضارة الإسلامية ، ص172.

(53) المصدر نفسه ، ص173.

(54) المصدر نفسه، ص

(55) إسماعيل الفار وقي : أطلس الحضارة الإسلامية: ص174.

(56) أبو القاسم حاج حمد : قراءة تفكيكية معاصرة في النسق التاريخي ، ص ص113-114.

(57) إبراهيم عبد الرحمن رجب: المسلم المعاصر وقضية أسلمة المعرفة،مجلة المسلم المعاصر، ع 93/94، ص70-71.

(58) راجع قضايا المنهجية في العلوم الإسلامية، إعداد مجموعة من الباحثين، تحرير، نصر محمد عارف، المعهد العالمي للفكر الإسلامي ، القاهرة، 1417هـ/ 1996م، ص ص183-241.

(59) مجدي عاشور: مجلة الفكر الإسلامي، العدد15، ص38.

(60) علا مصطفى أنور:أزمة المنهج في العلوم الإنسانية ضمن كتاب: قضيا المنهجية في العلوم الإسلامية والاجتماعية، إعداد مجموعة من الباحثين، تحرير نصر محمد عارف ، ص187.

(61) مجدي عاشور: مجلة الفكر الإسلامي، العدد15، ص 38،39..

(62) مجدي عاشور: مجلة الفكر الإسلامي ، ص39،40

(63) محمد أبو القاسم حاج حمد: إسلامية المعرفة المفاهيم والقضايا الكونية، ص26

(64 المصدر نفسه، ص27.

(65 عماد الدين خليل : مدخل إلى إسلامية المعرفة ، الطبعة الثانية ، المعهد العالمي للفكر الإسلامي ، هيرندن ، فرجينيا ، الولايات المتحدة الأمريكية ، 1412هـ/1991م، ص15،17

(66) طه جابر العلواني : إسلامية ا لمعرفة ، بين الأمس واليوم.، ص12

(67) إسماعيل الفاروقي : إسلامية المعرفة ، دار الهادي ، ص24.

@ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه : إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة واستطاع أن يغرسها فليغرسها" الرواية.

(68) لؤي صافي إسلامية المعرفة من المبادئ المعرفية إلى الطرائق الإجرائية ، مجلة إسلامية المعرفة ، العدد الثالث، ص41.

أعلى الصفحة